حين يصبح الزمن أداةً للعبور… أربع ساعات تستعيد الماضي لتصنع مغامرتها الجديدة

لا تعود صناعة الساعات إلى أرشيفها بحثًا عن الحنين وحده. فالماضي، بالنسبة إلى الدور الكبرى، ليس مساحةً ساكنة لاستنساخ التصاميم القديمة، بل مخزون من الأفكار والوظائف والحكايات التي يمكن إعادة صياغتها بلغة معاصرة. وقد تكون الساعة صُممت في الأصل لمرافقة الطيارين والمستكشفين، أو ارتبطت بموسيقي غيّر مسار الجاز، أو استوحت ملامحها من ساعات الجيب الساكسونية، أو دفعت قدرة الكرونوغراف الميكانيكي إلى حدود لم يبلغها من قبل. لكن ما يجمع هذه الإصدارات هو أن كلًا منها تنظر إلى الزمن من زاوية مختلفة.

أربع ساعات للاحتفاء بالتاريخ

View this post on Instagram

A post shared by BREITLING (@breitling)

في ساعة Multichron Pilot من دار جاليت Gallet، يصبح الزمن أداةً للاستكشاف والتعامل مع الظروف المتغيرة. أما دار بريتلينغ Breitling فتستعيد من خلال Navitimer B09 Chronograph 41 Tribute to Miles Davis اللحظة التي غادرت فيها ساعة الطيارين قمرة القيادة ودخلت الثقافة الشعبية. وفي إصدار 1815UP/DOWN، تعيد دار ايه. لانغيه أند صونهA. Lange & Söhne ، التركيز على سؤال بسيط لكنه جوهري: كم بقي للساعة من الوقت؟ قبل أن تنتقل فيTRIPLE SPLIT إلى الطرف الآخر من المعادلة، فتفكك الزمن إلى مسارات متوازية وتقيس الفوارق الممتدة حتى 12 ساعة. أربع ساعات لا تتشابه في وظائفها أو أساليبها، لكنها تلتقي عند فكرة واحدة: أفضل طريقة للاحتفاء بالتاريخ ليست تكراره، بل منحه وظيفة جديدة في الحاضر.

Gallet Multichron Pilot:عندما تصبح الساعة رفيقةً للظروف المجهولة

View this post on Instagram

A post shared by Gallet (@galletwatch)

حين ظهرت Multichron Pilot للمرة الأولى عام 1969، لم تكن ساعةً صُممت لتُعرض خلف الزجاج، بل كرونوغرافًا وظيفيًا مخصصًا لقياس الفترات الطويلة وتتبع منطقة زمنية ثانية. كانت تلك الحقبة لا تزال تنظر إلى ساعة اليد بوصفها أداةً حقيقية، يحتاج إليها الطيار والمستكشف والمسافر لاتخاذ قرارات سريعة في بيئات لا تترك مجالًا للارتباك. لهذا السبب، شكّلت سهولة القراءة جزءًا أساسيًا من شخصية الساعة. فلم تكن كثرة المعلومات على الميناء غايةً جمالية، بل كان ينبغي تنظيمها بطريقة تسمح بفهم الوقت والقياسات بلمحة واحدة، وفي ظروف إضاءة متبدلة. بعد أكثر من نصف قرن، تعود Multichron Pilot ضمن الإحياء الجديد لعلامة جاليت، التي استعادت حضورها بمناسبة مرور 200 عام على تأسيسها. ولا تحاول النسخة الجديدة تقليد ساعة عام 1969 حرفيًا، بل تنقل فكرتها الأساسية إلى مفهوم أكثر ارتباطًا بالمغامرة المعاصرة: ساعة يمكن ارتداؤها في السفر، وعلى الطرق الوعرة، وفي البيئات المفتوحة، من دون أن تفقد طابعها الميكانيكي أو وضوحها البصري. تأتي الساعة بعلبة قطرها 42 ملم، وتعمل بعيار الكرونوغراف Gallet 23 المستند إلى Sellita SW510، مع احتياطي طاقة يقارب 65 ساعة. ويمنحها الإطار ثنائي الاتجاه القدرة على تتبع منطقة زمنية ثانية، فيما تظهر نافذة التاريخ عند موضع الساعة السادسة، ويؤكد نقش Multichron Pilot على الميناء صلتها بالطراز التاريخي.

إصدارات تجسد أسلوب الحياة والمغامرات

تعود Gallet Multichron Pilot بروح ساعة الأدوات التي وُلدت عام 1969
تعود Gallet Multichron Pilot بروح ساعة الأدوات التي وُلدت عام 1969
تعود Gallet Multichron Pilot بروح ساعة الأدوات التي وُلدت عام 1969

يتوافر الإصدار بوجهين مختلفين: ميناء أسود مع عدادات فرعية بيضاء، وميناء أزرق مع عدادات سوداء. وفي الحالتين، يحافظ التباين اللوني على حضور قوي وواضح، بينما تضمن العقارب والمؤشرات المضيئة قراءة الوقت في الظروف المتغيرة. لكن العنصر الذي يعزز شخصية الساعة بوصفها أداة قياس هو مقياس المسافة، أو التليمتر، الذي يتيح احتساب المسافة الفاصلة عن حدث يمكن رؤيته ثم سماعه. قد تبدو هذه الوظيفة اليوم امتدادًا رومانسيًا لعصر الأدوات الميكانيكية، لكنها تمنح الساعة معنى يتجاوز الزينة، وتعيد تذكيرنا بأن الكرونوغراف صُمم أساسًا لقراءة العالم، لا لقياس الوقت فقط. ويمتد مفهوم التكيف إلى الأحزمة القابلة للتبديل. فقد اعتمدت جاليت، عرضًا موحدًا للعروات ونظام تحرير سريعًا يسمح بتبديل أحزمة الجلد والمطاط والقماش والأحزمة الميدانية خلال ثوانٍ ومن دون أدوات. كما تستخدم الأساور الفولاذية النظام نفسه، مع آلية ضبط دقيقة تمنح مرتدي الساعة ملاءمة أكثر راحة. إنها تفاصيل تبدو عملية، لكنها تعبّر عن فلسفة الإصدار كاملةً: الساعة لا تفرض بيئة واحدة على مرتديها، بل تتغير معه. وهكذا تستعيد Multichron Pilot روح ساعة الأدوات، في زمن أصبحت فيه المغامرة أقل ارتباطًا بالمهنة وأكثر اتصالًا بأسلوب الحياة والرغبة في مغادرة المسارات المعتادة.

 بريتلينغ ومايلز ديفيس: حين غادرت Navitimer قمرة القيادة

View this post on Instagram

A post shared by BREITLING (@breitling)

إذا كانت Multichron Pilot تستعيد الساعة بوصفها أداةً للاستكشاف، فإن بريتلينغ تعود إلى لحظة مختلفة من تاريخ ساعات الطيران: اللحظة التي خرجت فيها الأداة المهنية من بيئتها الأصلية، لتصبح جزءًا من هوية ثقافية وشخصية. كان مايلز ديفيس أحد أعظم المجددين في تاريخ موسيقى الجاز. لم يكتفِ بإتقان القواعد الموسيقية، بل كان يكسرها كلما شعر بأنها أصبحت قيدًا على التعبير. استخدم الصمت والفراغ والنغمات المختصرة بجرأة توازي قوة العزف نفسه، وانتقل بين الأساليب كلما بدأ أحدها يتحول إلى قالب ثابت. هذه الروح لم تقتصر على موسيقاه. فقد كان ديفيس شديد الوعي بصورته، من البدلات الإيطالية والسيارات الرياضية إلى التفاصيل التي اختارها لمعصمه. ومن بين تلك التفاصيل ساعة Breitling Navitimer Ref. 806 Mk5، التي ارتداها في منتصف الستينيات، محولًا ساعة صُممت للطيارين إلى تعبير عن الاستقلال والأسلوب الشخصي. وبمناسبة الذكرى المئوية لميلاده، تكشف بريتلينغ عن ساعة  Navitimer B09 Chronograph 41 Tribute to Miles Davis، بإصدار محدود يقتصر على 500 قطعة.

مواد وحرفية وحركة معاصرة

بريتلينغ وNavitimer: ساعة الطيارين على إيقاع مايلز ديفيس
بريتلينغ وNavitimer: ساعة الطيارين على إيقاع مايلز ديفيس

لا تأتي الساعة بوصفها تذكارًا يحمل اسم الموسيقي فحسب، بل تستعيد النموذج الذي ارتبط بصورته، ثم تعيد تقديمه بمواد وحرفية وحركة معاصرة. يحافظ الإصدار على قطر 41 ملم، وهو قياس ساعة Ref. 806 Mk5 التاريخية، ويستعيد الميناء أحادي اللون بتصميم الباندا المعكوس، حيث تتباين العدادات الفرعية الفاتحة مع الخلفية الداكنة. وتضيف مادة Super-LumiNova الكريمية إحساسًا مستوحى من الساعات القديمة، بينما يعيد شعار Twin Jet المناسب لتلك الحقبة ربط الساعة بتاريخ Navitimer المدني. ظهر هذا الشعار على النماذج التي بيعت عبر موزعي بريتلينغ، لتمييزها عن الإصدارات المخصصة لرابطة مالكي الطائرات والطيارينAOPA . وكانت ساعة ديفيس Ref. 806 Mk5 أول إصدار يجمع بين شعار Twin Jet وميناء الباندا المعكوس، ما يجعل استعادة هذين العنصرين في الساعة الجديدة أكثر من خيار جمالي. وتعمل الساعة بعيار Breitling B09 اليدوي التعبئة، في إشارة إلى حقبة سبقت انتشار حركات الكرونوغراف الأوتوماتيكية. ويتيح ظهر العلبة المصنوع من الكريستال الياقوتي مشاهدة الحركة، فيما تحمل الخلفية نقشَي One of 500 وMiles Davis Centennial. ويتوافر الإصدار بحزام من جلد العجل البني المتدرج والمصبوغ يدويًا، أو بسوار “Air Racer” المصنوع من الفولاذ المقاوم للصدأ. ويعيد السوار تصميمًا ظهر في الستينيات، واشتهر لاحقًا على معصم الموسيقي الفرنسي سيرج غينسبورغ، مع الاحتفاظ بوصلاته المثقبة وإضافة تعديلات تعزز الراحة. بهذا الإصدار، لا تحتفي Breitling بفنان ارتدى إحدى ساعاتها فحسب، بل تستعيد مرحلةً تغير فيها معنىNavitimer . فالساعة التي ظهرت عام 1952 أداةً للحساب والملاحة الجوية، أصبحت على معصم ديفيس جزءًا من لغة بصرية جديدة، تجمع بين الدقة التقنية والتمرد الإبداعي. اختار ديفيس Navitimer كما اختار موسيقاه، بحدسه الخاص. وبذلك لم تعد الساعة ملكًا حصريًا لعالم الطيران، بل أصبحت رمزًا لمن يرسمون مساراتهم بعيدًا عن القوالب الجاهزة.

Lange & Söhne 1815 UP/DOWN: قيمة الزمن الذي لا يزال متاحًا

في عالم يميل إلى إضافة أكبر عدد ممكن من الوظائف، تتخذ دار ايه. لانغيه أند صونه في ساعة 1815 UP/DOWN اتجاهًا أكثر هدوءًا. فبدل تحويل الميناء إلى مساحة مزدحمة بالمؤشرات، تمنح الدار وظيفة واحدة دور البطولة: احتياطي الطاقة. إنها وظيفة لا تقيس الزمن الذي مضى، بل تخبر مرتدي الساعة بمقدار الزمن الذي لا يزال متبقيًا قبل الحاجة إلى تعبئة الحركة مجددًا. ومن هنا يحمل المؤشر معنى يتجاوز الجانب التقني؛ فهو تذكير دائم بأن الوقت مورد محدود، سواء داخل آلية الساعة أو خارجها. يعود اسم 1815 إلى عام ميلاد فرديناند أدولف لانغه، مؤسس صناعة الساعات الساكسونية الدقيقة. وتعكس المجموعة فلسفته في الجمع بين الدقة والوضوح والأناقة، مستعيدةً ملامح ساعات الجيب التاريخية من خلال تدريج الدقائق بأسلوب سكة الحديد، والأرقام العربية الواضحة، والتكوين المتوازن للميناء. في الإصدارين الجديدين، المصنوع أحدهما من الذهب الوردي والآخر من الذهب الأبيض عيار 750، يظهر الميناء باللون الأزرق مع ميناءين فرعيين فضيين. يحتل مؤشر الثواني الصغيرة جهة، فيما يقابله مؤشر احتياطي الطاقة UP/DOWN عند موضع الساعة الثامنة.

Lange & Söhne TRIPLE SPLIT: تفكيك الزمن إلى ثلاثة مسارات

إذا مثّلت 1815 UP/DOWN الوجه المتأمل والهادئ لفلسفة ايه. لانغيه أند صونه، فإن TRIPLE SPLIT تكشف الطرف الأكثر طموحًا وتعقيدًا من خبرتها الميكانيكية. منذ إطلاقها عام 2018، احتلت الساعة مكانةً متفردة في عالم الكرونوغرافات. فالكرونوغراف التقليدي المزود بوظيفة الثواني المنقسمة يتيح تسجيل زمن وسيط ومقارنته بالزمن الأساسي ضمن حدود الثواني. أما TRIPLE SPLIT فتوسع الوظيفة لتشمل الثواني والدقائق والساعات، ما يسمح بإجراء قياسات مقارنة تمتد حتى 12 ساعة. تبدو أهمية هذا التعقيد أكثر وضوحًا عند تحويله إلى استخدام واقعي. ففي سباق ماراثون، مثلًا، يمكن تسجيل أزمنة وسيطة عند مراحل مختلفة، مع مواصلة احتساب الزمن الإجمالي. وفي رحلة بالسيارات الكلاسيكية، يمكن قياس الزمن عند نقاط متعددة، مثل بلوغ قمة ممر جبلي أو إنهاء مرحلة من الطريق، من دون إيقاف القياس الأساسي. وتتيح وظيفة العودة الفورية إيقاف القياس وإعادة العقارب إلى الصفر وبدء عملية جديدة من خلال ضغطة واحدة. أما وظيفة الثواني المنقسمة فتعمل بواسطة ثلاث مجموعات من العقارب المتطابقة: للثواني والدقائق والساعات. تتوقف العقارب الزرقاء عند تسجيل الزمن الوسيط، بينما تواصل العقارب المقابلة حركتها، ثم تلحق بها من جديد عند الضغط على زر الوظيفة. رغم هذا التعقيد، يحافظ الميناء على تسلسل بصري مدروس. تُمنح المساحة الرئيسية لعقربي ثواني الكرونوغراف والثواني المنقسمة، بينما يحتل عدّادا الدقائق موضع الساعة الرابعة، ويظهر عدّادا الساعات عند الساعة 12. ويأتي مؤشر احتياطي الطاقة UP/DOWN عند الساعة السادسة، مع احتياطي يبلغ 55 ساعة، فيما تظهر الثواني الصغيرة عند موضع الساعة الثامنة. في الإصدار الجديد، تقدم الدار الساعة بعلبة من البلاتين 950 وميناء بلون الروديوم، للمرة الأولى في تاريخ الطراز. وتظهر العدادات الفرعية بالرمادي الداكن، مع عقارب الثواني المنقسمة المصنوعة من الفولاذ المزرق ولمسات حمراء دقيقة تضيف وضوحًا بصريًا إلى التكوين التقني.

الماضي لا يعود كما كان

View this post on Instagram

A post shared by BREITLING (@breitling)

تكشف هذه الإصدارات أن العودة إلى التاريخ لا تسلك طريقًا واحدًا. تستعيد جاليت أداة الاستكشاف وتمنحها قدرةً أكبر على التكيف مع أسلوب الحياة المعاصر. وتعود بريتلينغ إلى قصة مايلز ديفيس لتوضح كيف يمكن لساعة مهنية أن تصبح علامةً ثقافية. أما ايه. لانغيه أند صونه، فتقدم رؤيتين متقابلتين: واحدة تتأمل مقدار الزمن المتبقي، وأخرى تفكك الزمن إلى قياسات متوازية تبلغ حدودًا استثنائية من التعقيد. لا تتعامل هذه الساعات مع الأرشيف بوصفه متحفًا مغلقًا، بل بوصفه نقطة انطلاق. فالتصميم التاريخي وحده لا يكفي، كما أن التعقيد الميكانيكي لا يكتسب قيمته من عدد أجزائه فقط. ما يمنح الساعة حضورها هو قدرتها على وصل الماضي بالحاضر، والوظيفة بالحكاية، والدقة بالتجربة الإنسانية. من قمرة القيادة إلى خشبة الجاز، ومن تقاليد ساعات الجيب الساكسونية إلى هندسة الكرونوغراف الأكثر تقدمًا، تتغير البيئات ويبقى السؤال واحدًا: كيف يمكن للإنسان أن يفهم الزمن، ويرافقه، ويقيسه، ويترك من خلاله أثرًا يتجاوز عصره؟