لم تعد جوائز Grand Prix d’Horlogerie de Genève – GPHG مجرد محطة سنوية للاحتفاء بأسماء صناعة الساعات الأكثر رسوخاً، بل تحولت إلى منصة تكشف كيف تتطور صناعة قياس الوقت، وكيف تنتقل إبداعاتها من المشاغل ودور التصنيع إلى جمهور عالمي يتابعها بشغف.
في دورة 2026، تتخذ هذه الفكرة بعداً أكثر وضوحاً. فقد اختارت أكاديمية GPHG ترشيح 84قطعة زمنية من أصل 320 إصداراً تقدمت بها 194 علامة، لتتنافس ضمن 14 فئة على الجوائز التي ستُعلن في جنيف في نوفمبر. وتضم القائمة 78 ساعة يد وست ساعات ميكانيكية، بما يجعلها قراءة واسعة للمشهد الحالي، تمتد من الساعات الكلاسيكية فائقة النقاء إلى التعقيدات الميكانيكية، مروراً بالمجوهرات، والتوربيون، والساعات الرياضية، والحرف الفنية.
لكن أهمية هذه القائمة لا تكمن في الأسماء وحدها؛ فهذه القطع ستغادر جنيف لتبدأ رحلة دولية تتوقف في مومباي وبانكوك وجنيف ولندن، قبل أن تعود القصة إلى مركزها السويسري في حفل التتويج.
84 قطعة زمنية ترسم ملامح صناعة الساعات في 2026
View this post on Instagram
تكشف الترشيحات الأولى عن اتساع مفهوم صناعة الساعات الراقية اليوم. فإلى جانب الفئات التقليدية مثل Time Only وTourbillon وChronograph وCalendar and Astronomy، تضم دورة 2026 فئات مثل Essential وComplication وGemset، في انعكاس للتعديلات التي أدخلها GPHG على بنيته لتقديم صورة أكثر تنوعاً عن الإبداع المعاصر.
وهنا تحديداً تكمن قيمة القائمة: فهي لا تقيس التعقيد بعدد الوظائف فحسب، ولا الفخامة بكمية الأحجار، بل تضع إلى جانب بعضها إبداعات مختلفة في فلسفتها وموادها وتقنياتها وطريقة تعاملها مع الزمن.
ومن بين هذه المجموعة، يبرز حضور Chopard بستة ترشيحات موزعة على ست فئات، بينما تحضر Parmigiani Fleurier بأربع قطع تنتمي إلى أربع رؤى مختلفة لصناعة الساعات. ويقدم الاسمان، كل بطريقته، نموذجاً واضحاً للاتجاهات التي يمكن قراءتها داخل قائمة GPHG 2026.
Chopard: ستة ترشيحات تكشف اتساع مفهوم الحرفة
View this post on Instagram
يشكل حضور Chopard في GPHG 2026 واحدة من أكثر الصور وضوحاً على تنوع صناعة الساعات داخل الدار الواحدة. فالترشيحات الستة لا تتجمع حول نوع واحد من الساعات، بل تمتد من الساعة الكلاسيكية إلى التعقيد الصوتي، ومن المجوهرات إلى الساعات الرياضية، وصولاً إلى الساعة الميكانيكية المكتبية.
L.U.C 1860: العودة إلى الأصل

في فئة Time Only، يأتي L.U.C 1860 ليعيد النظر في واحدة من أكثر الصيغ كلاسيكية في صناعة الساعات: ساعة لا تحتاج إلى أكثر من عرض الوقت كي تكشف جودة صناعتها.
ويحتفي الإصدار بمرور 30 عاماً على تأسيس Chopard Manufacture في فلورييه، مستعيداً روح أول ساعة L.U.C قدمتها الدار. ويجمع بين فولاذ Lucent Steel™ وحركة L.U.C Calibre 96.40-L فائقة النحافة، مع مؤشر ثوانٍ صغيرة عند السادسة وميناء أزرق يحمل زخرفة Guilloché يدوية مستوحاة من نهر Areuse القريب من المصنع.
بهذا المعنى، لا يعتمد الإصدار على التعقيد لجذب الانتباه؛ بل على النسب، والتشطيب، والذاكرة الحرفية.
L.U.C Grand Strike: حين تصبح الموسيقى جزءاً من الآلية

في المقابل، يمثل L.U.C Grand Strike أقصى الطرف الآخر من الطيف، بعدما دخل فئة Mechanical Exception بوصفه أكثر الساعات ذات آلية الرنين تعقيداً التي طورتها Chopard Manufacture حتى الآن.
تضم الساعة 686 مكوّناً، وتجمع بين Grande Sonnerie وPetite Sonnerie وMinute Repeater، مع استخدام أجراس من الكريستال الياقوتي طورتها الدار ضمن هندستها الخاصة.
واللافت أن هذه التجربة تستند إلى إرث قريب داخل تاريخ Chopard في GPHG: فقد حصل L.U.C Full Strike على جائزة Aiguille d’Or عام 2017. وهكذا يبدو Grand Strike أقل كقطيعة مع الماضي وأكثر كفصل جديد في مسار تقني بدأ قبل سنوات.
Mystery Nut Secret Watch: المجوهرات بوصفها عالماً خفياً

في فئة Jewellery، يتغير الإيقاع تماماً مع Mystery Nut Secret Watch، وهي قطعة وحيدة من نوعها تستند إلى فكرة الطبيعة والحكاية المخفية.
تتخذ الساعة شكل جوزة منحوتة من الذهب الوردي الأخلاقي عيار 18 قيراطاً ومرصعة بالألماس، بينما تخفي في داخلها حركة أوتوماتيكية مع طور القمر. وتكتمل الفكرة بسوتوار مزين بما يقارب 430 قيراطاً من حبات الألماس الـBriolettes.
هنا لا يعود الحد الفاصل بين الساعة والمجوهرات واضحاً؛ فالوظيفة الميكانيكية جزء من عالم بصري وحرفي أكبر.
L’Heure du Diamant: إرث المجوهرات يلتقي بصناعة الوقت

أما L’Heure du Diamant، المرشحة في فئة Gemset، فتقدم قراءة أكثر هدوءاً للعلاقة بين المجوهرات والساعات.
تستعيد الساعة صورة تاريخية من تصميمات عائلة Scheufele في ستينيات القرن الماضي، من خلال علبة ذات شكل وسادة، وإطار من الألماس بقطع الكمثرى، وميناء مخدد، وسوار ذهبي بروابط أعيدت صياغتها.
إنها مقاربة تقوم على دمج الساعة في عالم المجوهرات بدلاً من التعامل مع الأحجار كإضافة منفصلة، وهو ما يفسر حضورها في فئة مخصصة للترصيع.
Zagato Lab One Concept: الخفة كلغة رياضية

في فئة Sports، تنتقل Chopard إلى عالم مختلف مع Zagato Lab One Concept، ثمرة التعاون مع دار التصميم الإيطالية Zagato.
يقتصر الإصدار على 19 قطعة، ويستخدم بنية من التيتانيوم المَسْرَمَد بالخزف لتقليل الوزن، فيما تمتد الفكرة إلى الحركة نفسها، التي تستخدم جسراً وصفيحة رئيسية من مادة متقدمة.
والنتيجة ليست مجرد ساعة رياضية بالمعنى التقليدي، بل تجربة تضع هندسة المواد والخفة في قلب التصميم.
Beehive Table Clock: من الساعة إلى العمل الفني الميكانيكي

أما Beehive Table Clock، المرشح في فئة Mechanical Clock، فيعيد صناعة الساعات إلى مساحة الـObjet d’Art.
طُوّر بالتعاون مع L’Epée 1839 احتفالاً بمرور 30 عاماً على Chopard Manufacture، ويتخذ شكل خلية النحل رمزاً للعمل الجماعي ودقة الحرفة. وهنا تصبح الآلية نفسها جزءاً من العمل الفني، في تذكير بأن عالم صناعة الساعات لا يقتصر على ما يوضع على المعصم.
بهذه الترشيحات الستة، تظهر Chopard داخل GPHG 2026 كحالة مصغرة لتنوع الصناعة نفسها: ساعة كلاسيكية، تعقيد صوتي، ساعة مجوهرات، ساعة مرصعة، نموذج رياضي، وساعة مكتبية ميكانيكية.
Parmigiani Fleurier
عندما يصبح التعقيد أكثر هدوءاً
View this post on Instagram
إذا كانت ترشيحات Chopard تكشف اتساع الحرفة، فإن حضور Parmigiani Fleurier يقدم زاوية مختلفة: كيف يمكن للتعقيد الميكانيكي أن يكون حاضراً من دون أن يفرض نفسه بصرياً؟
في عام تحتفل فيه الدار بمرور 30 عاماً على تأسيسها، جاءت الترشيحات الأربع موزعة على أربع فئات مختلفة، بما يعكس جانباً مهماً من رؤيتها المعاصرة: أن تكون الوظيفة الميكانيكية متاحة عند الحاجة، من دون أن تطغى على أناقة الساعة.
TONDA PF Chronographe Mystérieux: التعقيد الذي يظهر عند الطلب

ينتمي TONDA PF Chronographe Mystérieux إلى فئة Chronograph، ويقدم واحداً من أكثر الأمثلة وضوحاً على فلسفة Parmigiani Fleurier في ما تسميه الدار Invisible Complications.
فعند السكون، يحتفظ الميناء بمظهر قريب من الساعة التقليدية. وعند تشغيل الكرونوغراف، تظهر الوظيفة على الميناء، قبل أن تختفي مجدداً بعد انتهاء القياس.
وتأتي هذه الهندسة مع خمس عقارب متحدة المحور ونظام Triple Clutch وحركة تصنيع PF053. وتؤكد Parmigiani Fleurier أن هذا الإصدار يمثل امتداداً لمسار بدأ مع TONDA PF GMT Rattrapante وتواصل مع TONDA PF Minute Rattrapante.
TONDA PF Minute Rattrapante Arctic Rose: الوظيفة خلف الهدوء

في فئة Essential، يأتي TONDA PF Minute Rattrapante Arctic Rose، وهو اختيار لافت لأن الاسم نفسه يوحي بتعقيد لا يظهر بالكامل للوهلة الأولى.
تتجاور عقربا الدقائق في الوضع الطبيعي، ثم تتغير وظيفتهما عند تفعيل النظام، لتصبح عملية قياس الفواصل الزمنية أكثر وضوحاً عند الحاجة، قبل العودة إلى مظهر أكثر هدوءاً.
وجود هذه الساعة ضمن فئة Essential ينسجم مع التحول الذي يشهده GPHG في طريقة تصنيف الساعات: ليس السؤال دائماً كم عدد الوظائف الموجودة، بل كيف تندمج هذه الوظائف في تجربة الساعة ككل. وتؤكد قوائم الترشيحات المنشورة تصنيفها ضمن Essential.
TORIC Perpetual Calendar 30th Anniversary: المعرفة المتوارثة

أما TORIC Perpetual Calendar 30th Anniversary فتدخل المنافسة في فئة Calendar and Astronomy، وتستعيد من خلالها Parmigiani Fleurier واحدة من أكثر التعقيدات ارتباطاً بتاريخ صناعة الساعات: التقويم الدائم.
وتأتي الساعة ضمن احتفالات الدار بالذكرى الثلاثين، مع اعتماد المعادن الثمينة، وحركة مشغولة يدوياً، وميناء ذهبي مطروق يدوياً. وتظهر هنا فلسفة TORIC الجديدة باعتبارها استعادة للمعرفة التاريخية لا إعادة إنتاج حرفية للماضي.
TORIC Petite Seconde 30th Anniversary: جمال الاختزال

وفي فئة Time Only، يأتي TORIC Petite Seconde 30th Anniversary، حيث يصبح الاختزال نفسه موضوعاً للتعبير.
فالساعة لا تحتاج إلى تعقيدات إضافية كي تستعرض حرفتها؛ إذ تعتمد على النسب، والذهب، والتشطيبات اليدوية، والميناء ذي الطابع الحرفي، مع مؤشر ثوانٍ صغيرة.
وبذلك تتجاور في ترشيحات Parmigiani Fleurier أربع أفكار مختلفة: كرونوغراف يظهر عند الحاجة، وتعقيد دقائق ينتمي إلى Essential، وتقويم دائم، وساعة تكتفي بعرض الوقت والثواني الصغيرة. وهو تنوع يؤكد أن التعقيد لا يقاس دائماً بما يظهر على الميناء، بل بما يحدث خلفه أيضاً. وتؤكد القوائم المنشورة تصنيف TORIC Petite Seconde ضمن Time Only وTORIC Perpetual Calendar ضمن Calendar and Astronomy.
من مومباي إلى بانكوك: الساعات تغادر جنيف
View this post on Instagram
بعد إعلان الترشيحات، لا تبقى القطع الـ84 داخل إطار جنيف. تبدأ الرحلة العالمية من مومباي في الهند بين 28 سبتمبر و1 أكتوبر، في أول حضور للمعرض في العاصمة الاقتصادية الهندية، بالتعاون مع Ethos Watches.
وتحمل هذه المحطة دلالة تتجاوز موقعها الجغرافي؛ فهي تضع صناعة الساعات السويسرية المعاصرة أمام جمهور هندي يشهد اهتماماً متزايداً بالساعات الراقية وبثقافة الاقتناء. وقد أعلنت Ethos عن استضافة معرض GPHG في مومباي للمرة الأولى.
بعدها تنتقل الجولة إلى بانكوك بين 15 و18 أكتوبر، حيث تُعرض 78 ساعة مرشحة في The Forum ضمن Gaysorn Amarin، في عودة للجولة إلى تايلاند بعد حضورها الأول هناك عام 2019. وتأتي المحطة بالتعاون مع PMT The Hour Glass.
وهنا تظهر نقطة مهمة في قراءة أرقام GPHG 2026: عدد الترشيحات هو 84 قطعة زمنية، لكن عدد ساعات اليد هو 78. ولذلك تعرض محطة بانكوك الساعات الـ78، بينما تشمل محطة جنيف المجموعة كاملة، بما فيها الساعات الميكانيكية الست.
جنيف: المحطة التي تُحسم فيها المنافسة
View this post on Instagram
من 29 أكتوبر إلى 15 نوفمبر، تعود المجموعة إلى جنيف، حيث يستضيف Musée d’Art et d’Histoire جميع القطع الـ84.
لكن هذه العودة ليست مجرد محطة عرض. فقبل حفل التتويج بأيام، يجتمع أعضاء لجنة تحكيم GPHG خلف أبواب مغلقة لفحص القطع فعلياً وتقييمها.
ويرأس لجنة تحكيم 2026 الصحافي وخبير الساعات Wei Koh، فيما تضم اللجنة 24 شخصية من عالم صناعة الساعات والفنون، نصفهم من أعضاء أكاديمية GPHG يتم اختيارهم بالقرعة، والنصف الآخر يختارهم رئيس اللجنة. كما يشارك أعضاء الأكاديمية، التي تضم أكثر من ألف شخصية من القطاع، في النتيجة النهائية عبر تصويت رقمي يمثل ثلث النتيجة.
وهذا الجانب مهم لفهم طبيعة GPHG: فالجوائز لا تُحسم بمجرد التصويت على الصور أو المواصفات التقنية، بل تأتي بعد مواجهة مباشرة مع القطع نفسها، بما يسمح للجنة بتقييم جودة التشطيب، والنسب، والآلية، والتنفيذ الحرفي، إلى جانب الفكرة التي تقف وراء كل إبداع.
7 نوفمبر: اللحظة التي يتحول فيها الترشيح إلى جائزة
View this post on Instagram
في السبت 7 نوفمبر 2026، يصل المسار إلى ذروته في Bâtiment des Forces Motrices في جنيف، حيث تقام الدورة السادسة والعشرون من حفل GPHG.
ووفق الإعلان الرسمي الحالي، ستُمنح 20 جائزة، من بينها الجائزة الأبرز Grand Prix de l’Aiguille d’Or، على أن يُنقل الحفل مباشرة عبر موقع GPHG.
وبذلك لا تكون رحلة الساعات المرشحة مجرد جولة ترويجية بين المدن، بل جزءاً من فلسفة GPHG نفسها: أن تصبح القطعة موضوعاً للحوار، وأن تنتقل من صانعيها إلى الخبراء، ومن الخبراء إلى الجمهور، ثم تعود إلى جنيف لتدخل مرحلة التقييم النهائي.
لندن: ما بعد الجائزة
View this post on Instagram
ولا تنتهي القصة بإعلان الفائزين. بين 18 و23 نوفمبر، تنتقل القطع الفائزة إلى لندن، حيث تعرضها Watches of Switzerland في محطة أخيرة من جولة 2026. وهنا يتغير معنى الرحلة مرة أخرى: فبعد أن كانت الساعات في مومباي وبانكوك تمثل الإبداعات المرشحة، تصبح في لندن سجلاً بصرياً لما اختارته لجنة التحكيم والأكاديمية في نهاية المنافسة.
إنها نهاية منطقية لمسار بدأ بالترشيح، مرّ بالتقييم والعرض، وانتهى بالاعتراف.
GPHG 2026: أكثر من قائمة للجوائز
View this post on Instagram
تكشف دورة GPHG 2026 أن صناعة الساعات المعاصرة لا تتحرك في اتجاه واحد. ففي قائمة واحدة يمكن أن نجد ساعة مثل L.U.C 1860 التي تستمد قوتها من الاختزال، إلى جانب L.U.C Grand Strike الذي يدفع التعقيد الصوتي إلى مستويات متقدمة، ومن Mystery Nut التي تضع المجوهرات في قلب التجربة، إلى Zagato Lab One التي تنظر إلى الخفة والمواد من منظور هندسي.
وفي الجهة الأخرى، تقدم Parmigiani Fleurier قراءة أكثر هدوءاً للتعقيد، حيث يمكن للكرونوغراف أو آلية قياس الدقائق أن تختفي عن الأنظار عندما لا تكون هناك حاجة إليها.
وهذا ربما هو المعنى الأهم لجولة GPHG 2026: الساعات لا تسافر من مدينة إلى أخرى فحسب، بل تنتقل معها أفكار مختلفة حول ما يمكن أن تكونه الساعة الفاخرة اليوم.
من مومباي إلى بانكوك، ومن جنيف إلى لندن، تتحول الـ84 قطعة الزمنية إلى معرض متنقل لصناعة تبحث باستمرار عن توازن جديد بين التقنية والحرفة والتصميم والهوية.
إقرأ أيضًا:
Geneva Watch Days 2026: جنيف تستعد لاستقبال أبرز أسماء صناعة الساعات الراقية