ليس حنينًا إلى الماضي… حين يتحول التراث إلى مادة للابتكار في صناعة الساعات

من ساعات المعصم العسكرية من أوائل القرن العشرين ومنظّمات الوقت التاريخية، إلى فن تفريغ الحركات وتقنيات صناعة الموانئ والحِرف الفنية النادرة، تكشف مجموعة من أحدث إصدارات الساعات أن العلاقة بين الماضي والحاضر لم تعد تقوم على استعادة التصاميم القديمة كما هي، بل على إعادة قراءتها وتحويلها إلى نقطة انطلاق نحو ابتكارات معاصرة. لطالما كان التراث واحدًا من أقوى عناصر صناعة الساعات الراقية. فالدور التي تمتد جذورها لعقود أو قرون تمتلك أرشيفًا غنيًا من التصاميم والحركات والتقنيات والحِرف، إلا أن التحدي اليوم لم يعد يكمن في إثبات عراقة هذا الماضي، بقدر ما أصبح في تحديد الطريقة التي يمكن بها جعله ذا صلة بالحاضر. وتكشف مجموعة من الإصدارات الجديدة عن مقاربات مختلفة لهذا السؤال. بعضها يعود إلى شكل تاريخي لعرض الوقت، وبعضها يستعيد تقنيات يدوية نادرة، فيما يذهب بعضها أبعد من ذلك بإدخال حرف غير مألوفة إلى صناعة الساعات أو تحويل بنية الحركة الميكانيكية نفسها إلى عنصر معماري. القاسم المشترك بينها أن الماضي لا يظهر باعتباره غاية في ذاته. التراث هنا مادة أولية يعاد تشكيلها.

Bremont Terra Nova Jumping Hour من ساعات المعصم العسكرية من أوائل القرن العشرين إلى المعصم المعاصر

View this post on Instagram

A post shared by BREMONT (@bremontwatches)

تقدم مجموعة Bremont Terra Nova Jumping Hour مثالًا مباشرًا على إعادة تفسير التاريخ من خلال التصميم. فمجموعة   Terra Novaالتي ظهرت للمرة الأولى عام 2024 تستلهم الساعات العسكرية الجيبية وساعات الخنادق من أوائل القرن العشرين، لكنها تعيد صياغة هذه المراجع من خلال علبة هندسية وسادة الشكل، ومظهر منخفض، وعروات قصيرة تمنحها شخصية Tool Watch معاصرة. وفي إضافاتها الجديدة، تأخذ بريمونت الفكرة خطوة أخرى مع تقديم حجم 35 ملم للمرة الأولى. فالأبعاد الأكثر إحكامًا تستحضر شيئًا من نسب الساعات الكلاسيكية، وتمنح Terra Nova حضورًا أقرب إلى ساعات الأناقة، من دون التخلي عن الهوية الهندسية للمجموعة.

View this post on Instagram

A post shared by BREMONT (@bremontwatches)

لكن الرابط بالماضي لا يقتصر على شكل العلبة. تعتمد الساعة أسلوب montre à guichet الذي يستبدل القراءة التقليدية عبر العقارب بنوافذ لعرض الوقت، فيما يتولى عيار Bremont BC634 الأوتوماتيكي تشغيل تعقيد Jumping Hour عالي العزم، بحيث يحدث انتقال الساعة بصورة لحظية في أقل من عُشر الثانية. وتتسع اللغة المعاصرة للمجموعة من خلال اللون أيضًا، مع البرغندي والوردي والتشطيبات المصقولة أو الـFrosted . ففي Terra Nova 35 Jumping Hour Frostedمثلًا، يتحول سطح الفولاذ المحبب إلى عنصر بصري يتفاعل مع الضوء ويولد تأثيرًا شبيهًا بوجوه الألماس الدقيقة. وهكذا لا تعيد بريمونت إنتاج ساعة عسكرية من القرن الماضي، وإنما تحتفظ بإشاراتها التاريخية لتبني حولها شخصية جديدة.

Daniel Roth Extra Plat Rose Gold Gilt  تقنية قديمة تعود إلى الواجهة

إذا كان الماضي لدى بريمونت يظهر من خلال الشكل وطريقة عرض الوقت، فإنه لدى Daniel Roth يكمن في كيفية صناعة الميناء نفسه. مع Extra Plat Rose Gold Gilt تعود الدار إلى تقنية تاريخية نادرة لصناعة الموانئ المذهّبة، لتضعها في قلب تصميم يتسم بالاختزال والدقة. وتصف الدار هذه المقاربة باعتبارها إعادة تفسير للتقنيات التقليدية من خلال تنفيذ حديث، مع تركيز خاص على العمق والتباين والدقة الحرفية. والاختلاف الأساسي في هذا النوع من الموانئ أن الأرقام والكتابات لا تتم طباعتها ببساطة فوق السطح. فهي تظهر كمساحات سلبية تكشف عن القاعدة الذهبية الموجودة تحتها.

وبعد عمليات متعددة من المعالجة والطلاء وإزالة طبقة الحماية، تنكشف الأرقام الرومانية واسم Daniel Roth ورقم الساعة من قاعدة الذهب الأصلية. أما نقش guilloché، فينفذه حرفي واحد باستخدام آلة rose engine يدوية، في عملية قد تتطلب أيامًا من العمل. هنا تصبح التقنية القديمة أكثر من مجرد تفصيل زخرفي. فالطريقة التي صُنع بها الميناء هي التي تحدد شخصيته البصرية، وتمنحه العمق وتفاعل الضوء الذي يصعب الحصول عليه بالطباعة التقليدية وحدها.

Parmigiani Fleurier TONDA PF Skeleton Rose Gold Milano Blue  حين يصبح الفراغ جزءًا من التصميم

تقدم Parmigiani Fleurier TONDA PF Skeleton Rose Gold Milano Blue قراءة مختلفة تمامًا للتراث الساعاتي. فبدل العودة إلى تصميم قديم، تعود الدار إلى واحدة من أكثر ممارسات صناعة الساعات دقة: تفريغ الحركة. لكن فلسفة بارميجياني فلورييه لا تتعامل مع التفريغ باعتباره استعراضًا لكمية الأجزاء التي يستطيع صانع الساعة كشفها. فالدار تربط هذه الممارسة بثقافة الترميم التي قامت عليها، حيث يبدأ العمل من فهم البنية الميكانيكية قبل إعادة تفسيرها. تكمن الصعوبة في إزالة أكبر قدر محسوب من المادة من دون التأثير في صلابة الحركة، ثم فتح بنيتها أمام الضوء مع الحفاظ على تماسكها ووضوحها.

ومن هنا تنشأ علاقة بين المادة والفراغ والضوء. لا يعود الجزء الذي أزيل من الحركة أقل أهمية من الجزء المتبقي؛ فالفراغ نفسه يصبح أداة لتوجيه العين وكشف طبقات الحركة. وفي قلب الساعة يعمل العيار PF777، المؤلف من 192 مكونًا، بسماكة لا تتجاوز 3.9 ملم واحتياطي طاقة يبلغ 60 ساعة، فيما يكمل الدوار المفرغ المصنوع من الذهب الوردي عيار 22 قيراطًا اللغة البصرية للحركة. النتيجة ليست استعادة شكل تاريخي، وإنما إعادة قراءة مهارة تاريخية بمنطق معماري معاصر.

شوبارد L.U.C 1963 Heritage Regulator… إعادة إحياء أداة كانت تضبط الزمن

Chopard L.U.C 1963 Heritage Regulator تستعيد مفهومًا تاريخيًا لقراءة الوقت وتمنحه أداءً ميكانيكيًا معاصرًا
Chopard L.U.C 1963 Heritage Regulator تستعيد مفهومًا تاريخيًا لقراءة الوقت وتمنحه أداءً ميكانيكيًا معاصرًا

من أكثر الأمثلة وضوحًا على انتقال وظيفة تاريخية إلى ساعة معاصرة تأتي L.U.C 1963 Heritage Regulator من شوبارد. فساعات الـRegulator  لم تبدأ أصلًا كاختيار جمالي. كانت منظّمات الوقت الدقيقة تستخدم في ورش صناعة الساعات والمراصد كمرجع لضبط الساعات الأخرى، ولذلك فُصل عرض الساعات والدقائق والثواني عن محور واحد بهدف جعل القراءة أكثر وضوحًا. وتستعيد شوبارد هذا المفهوم في ساعة يد معاصرة بقطر 40 ملم من الذهب الأبيض عيار 18 قيراطًا. يشير العقرب المركزي الطويل إلى الدقائق، بينما تظهر الساعات عند موضع الثالثة والثواني الصغيرة عند السادسة، إلى جانب توقيت GMT واحتياطي الطاقة والتاريخ. وعلى الرغم من وجود ستة مؤشرات، يحافظ الميناء على مبدأ الـRegulator  الأصلي: وضوح قراءة الوقت.

شوبارد L.U.C 1963 Heritage Regulator... عيار L.U.C 98.02 ونظام Quattro في قلب الساعة
شوبارد L.U.C 1963 Heritage Regulator… عيار L.U.C 98.02 ونظام Quattro في قلب الساعة

أما خلف هذه الإشارة التاريخية فتوجد تقنية معاصرة. فعيار L.U.C 98.02 اليدوي يستخدم نظام Quattro الذي يضم أربعة خزانات للطاقة، مانحًا الساعة احتياطيًا يصل إلى 216 ساعة، أي تسعة أيام، مع سماكة للحركة تبلغ 4.90 ملم فقط. وهنا تحديدًا يظهر معنى إعادة التفسير: وظيفة وُلدت لخدمة صانعي الساعات تتحول إلى تعقيد ميكانيكي في ساعة فاخرة معاصرة.

L.U.C 1963 Heritage Chronograph الكرونوغراف بين المدرسة الكلاسيكية والابتكار

L.U.C 1963 Heritage Chronograph، حين تلتقي لغة الكرونوغراف الكلاسيكية مع تقنيات صناعة الساعات الحديثة
L.U.C 1963 Heritage Chronograph، حين تلتقي لغة الكرونوغراف الكلاسيكية مع تقنيات صناعة الساعات الحديثة

وفي L.U.C 1963 Heritage Chronograph، تعود شوبارد مرة أخرى إلى لغة الساعات الكلاسيكية، لكن هذه المرة من بوابة الكرونوغراف. تأتي الساعة في إصدار محدود ومرقم من 25 قطعة، وتجمع علبة من Lucent Steel بقطر 42 ملم مع ميناء أزرق بروسي، اختير لنسج رابط رمزي مع منطقة نوشاتيل السويسرية وفلورييه حيث يقع مصنع شوبارد.

L.U.C 1963 Heritage Chronograph... حركة ميكانيكية تجمع بين الكرونوغراف التقليدي والابتكار
L.U.C 1963 Heritage Chronograph… حركة ميكانيكية تجمع بين الكرونوغراف التقليدي والابتكار

إلا أن قلب الساعة يكشف عن الجانب الأكثر تقنية في هذه العودة إلى الماضي. فالحركة اليدوية L.U.C 03.07-L عبارة عن كرونوغراف مدمج بالكامل مع عجلة عمودية ووظيفة Flyback، تسمح بإعادة ضبط الكرونوغراف وبدء عملية توقيت جديدة بصورة متتالية. وفي الوقت نفسه، تحافظ الحركة على تقاليد التشطيب اليدوي الرفيع، مع التجزيع الدائري وCôtes de Genève والحواف المشطوفة، فيما تصادق دمغة جنيف على المستوى التقني والجمالي للساعة. مرة أخرى، لا يتعلق الأمر بصناعة نسخة من كرونوغراف قديم، بل بالحفاظ على لغته وإثرائها بما تستطيع صناعة الساعات الحديثة تقديمه.

فاشرون كونستانتين Métiers d’Art… حين تدخل حِرف جديدة إلى عالم الساعات

Vacheron Constantin تحوّل ميناء الساعة إلى مساحة للفن والحرفة، من التطريز بالذهب إلى نحت الزجاج وتطعيم الخشب
Vacheron Constantin تحوّل ميناء الساعة إلى مساحة للفن والحرفة، من التطريز بالذهب إلى نحت الزجاج وتطعيم الخشب

أما Vacheron Constantin فتدفع مفهوم إعادة تفسير التراث إلى منطقة مختلفة تمامًا. في مشروع Métiers d’Art Tribute to the Animal Kingdom ضمن برنامج One of Not Many Crafts Programme، لم تكتفِ الدار بحِرف صناعة الساعات التقليدية، بل دعت ستة حرفيين من تخصصات أخرى إلى نقل مهاراتهم إلى المساحة المجهرية لميناء الساعة. والنتيجة ست ساعات نموذجية تستخدم ستة تخصصات: التطريز بالذهب، فن الريش، تطعيم الخشب، نحت الزجاج، نحت الورق والأوريغامي المصغر، يجمع بينها عالم الحيوان كمصدر للإلهام. لكن التحدي الحقيقي لم يكن زخرفة الموانئ، وإنما إعادة اختراع الحرفة كي تصبح ممكنة داخل الساعة. فداخل علبة قطرها 42 ملم، ومع ارتفاع متاح لا يتجاوز أربعة مليمترات بين الميناء وبلورة السافير، اضطر الفنانون إلى تكييف ممارسات ارتبطت عادة بأحجام أكبر، وتطوير أدوات وعمليات جديدة لتنفيذها بهذا الحجم المجهري. وبذلك يتحول الميناء إلى مساحة لقاء بين حرفيين من عوالم مختلفة وصانعي الساعات؛ فلا تقوم الفكرة على حماية الحرفة بوضعها في متحف، وإنما على ضمان استمرارها من خلال دفعها إلى مناطق لم تدخلها سابقًا.

من حفظ الماضي إلى إعادة اختراعه

تكشف هذه الساعات عن تحول أكثر عمقًا في طريقة تعامل صناعة الساعات المعاصرة مع مفهوم التراث. فالحفاظ على الماضي لم يعد يعني بالضرورة إعادة إصدار ساعة من الأرشيف بالعلبة والميناء نفسيهما. يمكن أن يكون التراث طريقة في صناعة ميناء، أو أسلوبًا في قراءة الوقت، أو حرفة يدوية، أو هندسة حركة، أو حتى فلسفة تصميم كاملة. في Terra Nova، تعود إشارات ساعات الخنادق في هيئة أكثر عصرية. وفي Daniel Roth تصبح تقنية تاريخية لصناعة الميناء أساسًا لهوية بصرية جديدة. أما بارميجياني فلورييه فتجرد الحركة من مادتها لتعيد قراءة تقليد التفريغ من منظور معماري، فيما تستحضر شوبارد الـRegulator  والكرونوغراف لتضع تقنيات الماضي في خدمة أداء ميكانيكي حديث. وتذهب فاشرون كونستانتين أبعد من ذلك، حين تفتح صناعة الساعات أبوابها أمام حرف أخرى وتطلب منها أن تعيد ابتكار نفسها. ربما لهذا السبب تبدو العودة إلى التراث اليوم أقل ارتباطًا بالحنين وأكثر ارتباطًا بالمستقبل. فالقيمة الحقيقية للماضي لا تكمن دائمًا في الاحتفاظ به كما كان، بل في امتلاك الجرأة على تغييره من دون فقدان جوهره.