جنيف تحتفي بإبداعات الزمن… 84 تحفة تتنافس على أرفع جوائز صناعة الساعات لعام 2026

في عالم لا يتوقف فيه الزمن عن الحركة، تواصل صناعة الساعات الراقية إثبات قدرتها على تحويل الدقائق والثواني إلى أعمال فنية تتجاوز وظيفتها التقليدية في قياس الوقت. وبين التعقيدات الميكانيكية الدقيقة والتصاميم الجريئة والحرفية المتوارثة عبر الأجيال، تتحول الساعة إلى مساحة للإبداع والابتكار، وإلى تعبير عن هوية الدار التي صنعتها ورؤيتها الجمالية والهندسية. هذا العالم الاستثنائي يحتضنه متحف الفن والتاريخ Musée d’Art et d’Histoire في مدينة جنيف السويسرية، الذي يستضيف حتى 15 نوفمبر 2026 المعرض المتنقل للجائزة الكبرى لصناعة الساعات في جنيف Grand Prix d’Horlogerie de Genève، المعروفة اختصاراً باسم GPHG، في واحدة من أبرز الفعاليات السنوية التي تحتفي بفنون صناعة الوقت. وبعد جولته في مدينتي مومباي الهندية وبانكوك التايلاندية، يعود المعرض إلى جنيف ليجمع تحت سقف واحد أبرز الابتكارات المرشحة لجوائز هذا العام، مقدّماً للزوار فرصة نادرة لاكتشاف الإبداعات التي ترسم ملامح صناعة الساعات المعاصرة.

84 إبداعاً تختصر ملامح صناعة الساعات المعاصرة

View this post on Instagram

A post shared by @gphg_official

يضم المعرض 84 قطعة اختارتها أكاديمية GPHG للمنافسة على جوائز الدورة السادسة والعشرين، موزعة بين 78 ساعة يد و6 ساعات أخرى، تمثل إبداعات 55 علامة متخصصة في صناعة الساعات. ولا تكمن أهمية هذا العدد في تنوع العلامات المشاركة فحسب، بل في الصورة الشاملة التي يقدمها عن التحولات التي تشهدها الصناعة، حيث تتجاور المدارس الكلاسيكية مع المقاربات التصميمية المعاصرة، وتلتقي المهارات اليدوية الدقيقة مع أحدث الإنجازات التقنية. وتكشف هذه المجموعة عن قدرة صانعي الساعات على إعادة ابتكار أدوات قياس الزمن، سواء من خلال تطوير الحركات الميكانيكية، أو تقديم تصاميم غير تقليدية، أو استكشاف مواد وتقنيات جديدة تعزز الأداء والجمال في آن واحد. فالساعة الفاخرة لم تعد مجرد أداة لعرض الوقت، بل أصبحت نتاجاً لتفاعل معقد بين الهندسة والفن والتصميم، تتطلب صناعتها معرفة متخصصة ومهارات تتراكم عبر سنوات طويلة من البحث والتجربة. ومن هذا المنطلق، يشكل المعرض نافذة على عالم غالباً ما تبقى تفاصيله التقنية والحرفية بعيدة عن الجمهور، ويتيح الاقتراب من القطع المرشحة بوصفها أعمالاً إبداعية تستحق التأمل، لا مجرد منتجات فاخرة معروضة للبيع.

عندما تتحول الساعات إلى أعمال فنية داخل المتحف

View this post on Instagram

A post shared by @gphg_official

اختيار متحف الفن والتاريخ في جنيف لاستضافة المعرض يمنحه بعداً ثقافياً يتجاوز إطار المنافسة السنوية بين العلامات التجارية. فوجود الساعات داخل مؤسسة متحفية يضعها في سياق أوسع، باعتبارها جزءاً من تاريخ الفنون التطبيقية والتطور التقني والابتكار الإنساني. وقد جرى إعداد سينوغرافيا خاصة للمعرض من تصميم استوديو preorder&soldout، فيما تولّت شركة Dietlin Swiss Showcases تنفيذ تجهيزات العرض، بهدف تقديم القطع بطريقة تبرز خصوصيتها الجمالية والهندسية. وتؤدي طريقة العرض دوراً أساسياً في هذه التجربة، إذ تتيح للزائر النظر إلى الساعات من منظور مختلف، والتوقف عند التفاصيل الدقيقة التي قد لا تظهر بوضوح في الصور أو الحملات الإعلانية. وبين الموانئ المصغّرة والعقارب والتروس والتشطيبات الدقيقة، تكشف كل قطعة عن عالم متكامل من القرارات الفنية والهندسية، حيث يمكن لأصغر تفصيل أن يعكس ساعات طويلة من العمل اليدوي والتطوير التقني. كما يساهم هذا الإطار المتحفي في تعزيز الحوار بين صناعة الساعات والفنون المعاصرة، خصوصاً أن كثيراً من الإبداعات الحديثة تستعير مفرداتها من العمارة والنحت والتصميم الصناعي، وتعيد تفسيرها ضمن مساحة لا تتجاوز بضعة سنتيمترات.

20 جائزة وسباق نحو العقرب الذهبي

View this post on Instagram

A post shared by @gphg_official

وراء هذا المشهد الفني، تحتدم المنافسة بين القطع المرشحة للفوز بإحدى الجوائز العشرين التي ستُمنح خلال الحفل الرسمي للدورة السادسة والعشرين من الجائزة الكبرى لصناعة الساعات في جنيف، والمقرر إقامته يوم السبت 7 نوفمبر 2026. وسيحتضن مبنى Bâtiment des Forces Motrices، المعروف اختصاراً باسم  BFM، مراسم توزيع الجوائز، في حدث يجمع أبرز الأسماء والمؤسسات الفاعلة في صناعة الساعات العالمية. وتبقى جائزة  Aiguille d’Or Grand Prix، أو العقرب الذهبي، الأكثر ترقباً، باعتبارها التكريم الأعلى ضمن جوائز GPHG، والاعتراف الأبرز بالتميز الشامل في صناعة الساعات. ولا تقتصر أهمية هذه الجوائز على تكريم الإنجازات الفردية للعلامات المشاركة، بل تتعداها إلى تسليط الضوء على الاتجاهات التي تؤثر في مستقبل الصناعة، وعلى الابتكارات التي تنجح في الجمع بين الأصالة والجرأة والإتقان. فالفوز بإحدى جوائز GPHG يمنح الساعة والدار المصنّعة لها اعترافاً دولياً، ويضع إنجازاتها أمام جمهور واسع من الخبراء وهواة الاقتناء والمتابعين. وسيُنقل الحفل مباشرة عبر الموقع الرسمي للجائزة gphg.org ، ما يتيح لعشاق الساعات حول العالم متابعة الإعلان عن النتائج.

من الحرفية السويسرية إلى ثقافة عالمية

View this post on Instagram

A post shared by @gphg_official

تحمل عودة المعرض إلى جنيف دلالة خاصة، فالمدينة تحتل موقعاً محورياً في تاريخ صناعة الساعات السويسرية، وتُعدّ من أبرز المراكز العالمية المرتبطة بالحرفية الدقيقة والتقاليد الميكانيكية الراقية. لكن الجولة التي سبقت العودة إلى سويسرا، وشملت مومباي وبانكوك، تعكس في الوقت نفسه الطابع العالمي المتنامي لهذه الصناعة، واهتمام المؤسسات المتخصصة بتوسيع دائرة التواصل مع جماهير جديدة خارج الأسواق الأوروبية التقليدية. ولم تعد صناعة الساعات الفاخرة محصورة في دائرة ضيقة من الخبراء وجامعي القطع النادرة، بل أصبحت جزءاً من حوار ثقافي أوسع يجمع بين التصميم والهندسة والفن والابتكار. وفي هذا السياق، تكتسب المعارض المتنقلة أهمية متزايدة، لأنها تمنح الجمهور فرصة للتعرف عن قرب إلى إبداعات يصعب جمعها في مكان واحد، وتفتح المجال أمام اكتشاف القيمة الفنية والتقنية التي تختبئ خلف المظهر الخارجي للساعة. وتؤكد هذه المقاربة أن مستقبل صناعة الساعات لا يرتبط فقط بتطوير منتجات جديدة، بل أيضاً بقدرتها على سرد قصصها، ونقل خبراتها، وبناء علاقة مستمرة مع الأجيال المقبلة.

ورش تعليمية وجولات مجانية لاكتشاف أسرار الوقت

View this post on Instagram

A post shared by @gphg_official

لا يقتصر برنامج المعرض على مشاهدة الساعات المرشحة، بل يتضمن مجموعة من الأنشطة الثقافية والتعليمية المصممة لتعريف الجمهور بالجوانب المختلفة لفن قياس الزمن. وتُقام يومياً جولات إرشادية مجانية يقودها خبراء متخصصون، تتيح للزوار التعرف إلى الخصائص التقنية والجمالية للقطع المعروضة، وفهم بعض المبادئ التي تقوم عليها صناعة الساعات الميكانيكية. كما تتضمن الفعاليات ورشاً تمهيدية في صناعة الساعات بإشراف مدرسة جنيف لصناعة الساعات Geneva Watchmaking School، إلى جانب محاضرات وأنشطة مخصصة للزوار الصغار. وتكتسب هذه المبادرات أهمية خاصة في صناعة تعتمد على مهارات دقيقة ومعارف متخصصة، إذ تسهم في تقريب عالم الساعات من جمهور لا يمتلك بالضرورة خلفية تقنية، وتحوّل الزيارة إلى تجربة تفاعلية تجمع بين المعرفة والاكتشاف. فالاطلاع على آلية عمل ساعة ميكانيكية، أو فهم كيفية تفاعل مكوناتها الصغيرة لقياس الوقت بدقة، يكشف عن مستوى من التعقيد قد لا يدركه كثيرون عند النظر إلى الساعة بوصفها إكسسواراً فاخراً. ومن خلال هذه التجارب، يسعى المعرض إلى إبراز البعد الإنساني للصناعة، وإظهار الدور الذي يؤديه الحرفيون والمصممون والمهندسون في تطوير كل قطعة.

جيل جديد يُعيد تخيّل تصميم الساعات

يخصص المعرض أيضاً مساحة لإبداعات طلاب قسم تصميم الساعات في جامعة الفن والتصميم في جنيف HEAD–Genève، في خطوة تعكس اهتمام الجائزة الكبرى بدعم المواهب الناشئة وإتاحة المجال أمام رؤى جديدة. وتأتي مشاركة الطلاب لتؤكد أن صناعة الساعات، رغم ارتباطها الوثيق بالتقاليد، لا تستطيع الاستمرار من دون التجديد والتجريب. فالأجيال الجديدة من المصممين تتعامل مع الساعة بوصفها مساحة مفتوحة لاستكشاف الأفكار، سواء من حيث الشكل أو المواد أو العلاقة بين الوظيفة والتجربة الجمالية. وتكتسب هذه المبادرات أهمية في ظل التحديات التي تواجه الصناعات الحرفية، ولا سيما ضرورة نقل الخبرات إلى الأجيال المقبلة، والمحافظة على المهارات اليدوية التي تشكل جزءاً أساسياً من هوية صناعة الساعات الراقية. وإلى جانب الأعمال الطلابية، يدعو المعرض الزوار إلى التعرف إلى أنشطة مؤسسة The Watch Library، المتخصصة في حفظ أرشيف صناعة الساعات وصون وثائقها ومصادرها التاريخية. ويعكس حضور هذه المؤسسة أهمية الذاكرة الصناعية والثقافية في قطاع يتقدم باستمرار نحو المستقبل، لكنه يستمد جانباً كبيراً من قيمته من تاريخه الطويل وتراكم خبراته.

جائزة تأسست لتكريم الإبداع وحماية المعرفة

View this post on Instagram

A post shared by @gphg_official

تعود انطلاقة الجائزة الكبرى لصناعة الساعات في جنيف إلى عام 2001، قبل أن تتولى إدارتها منذ عام 2011 مؤسسة معترف بها بوصفها جهة ذات منفعة عامة. وعلى امتداد أكثر من ربع قرن، عملت GPHG على الاحتفاء بالتميز في صناعة الساعات وتعزيز مكانتها الثقافية والفنية، مستندة إلى دعم شركاء من القطاعين العام والخاص، وفي مقدمهم شريكها الرئيسي FGP Swiss & Alps، إلى جانب مساهمة المؤسسات والأطراف الفاعلة في القطاع. وتتميز الجائزة بدورها الذي يتجاوز تنظيم حفل سنوي لتوزيع الجوائز، إذ أصبحت منصة للتعريف بالإبداع المعاصر، وإبراز التنوع الذي يميز صناعة الساعات، وتوسيع الحوار حول مستقبلها. وفي هذا الإطار، يشير ريمون لوريتان، رئيس مؤسسة GPHG، وكارين مايار، مديرتها، إلى أن العودة إلى جنيف بعد محطتي مومباي وبانكوك تمثل محطة بارزة في الجولة، مؤكدين أن المعرض لا يقتصر على استعراض التميز، بل يجسد رسالة المؤسسة القائمة على المشاركة ونقل المعرفة. كما يشددان على أن جمع هذه الإبداعات داخل متحف مفتوح للجميع يهدف إلى إثارة الفضول وتعزيز الاهتمام بالمهارات الاستثنائية والقيم الملهمة التي تحملها صناعة الساعات.

مستقبل صناعة الساعات بين الابتكار والإرث الإنساني

View this post on Instagram

A post shared by @gphg_official

في وقت تتسارع فيه الابتكارات الرقمية وتتطور الأجهزة الذكية القادرة على قياس الوقت وأداء عشرات الوظائف الأخرى، تحافظ صناعة الساعات الميكانيكية الراقية على مكانة مختلفة، تستند إلى الحرفية والإبداع والدقة والارتباط العاطفي بالقطعة. فالقيمة التي تحملها الساعة الفاخرة لا تتحدد فقط بقدرتها على قياس الزمن، بل بالمعرفة التي تجسدها، وبالجهد الإنساني الذي يتطلبه تصميمها وتجميعها وتشطيبها، وبالقصة التي ترويها عن الدار التي أنتجتها. ومن هنا، يبدو معرض GPHG لعام 2026 أكثر من مجرد محطة تسبق الإعلان عن الفائزين. إنه مناسبة للتأمل في العلاقة بين الإنسان والزمن، وفي قدرة الحرف التقليدية على مواكبة التحولات المعاصرة من دون التخلي عن هويتها. وبين 84 إبداعاً تتنافس على 20 جائزة، لا تقتصر المنافسة على اختيار الساعة الأفضل، بل تكشف عن تعدد الرؤى التي تسعى إلى إعادة تعريف صناعة الساعات الفاخرة. ومع اقتراب موعد حفل 7 نوفمبر، تتجه الأنظار إلى جنيف لمعرفة القطعة التي ستنال العقرب الذهبي، لكن المعرض يقدّم رسالة أوسع من نتائج المنافسة: أن صناعة الساعات لا تحتفي بمرور الزمن فحسب، بل بالخيال والمهارة والإبداع الإنساني الذي يمنح كل لحظة قيمتها.