لم تعد صناعة الساعات الفاخرة تكتفي بإبهار عشاقها بالتعقيدات الميكانيكية أو المعادن الثمينة أو الدقة الاستثنائية في قياس الوقت. ففي عالم تتسارع فيه التكنولوجيا وتتغير فيه مفاهيم الرفاهية، باتت دور الساعات الكبرى تبحث عن وسائل جديدة لتأكيد هويتها، سواء من خلال التعاون مع الفنانين، أو استعادة تصاميم تاريخية، أو توظيف مواد طبيعية نادرة، أو تحويل رموز الموضة إلى تفاصيل فنية تُرتدى على المعصم. وتكشف مجموعة من الإصدارات الجديدة لعام 2026 عن هذا التنوع اللافت في توجهات صناعة الساعات الراقية. فمن أوديمار بيغه Audemars Piguet التي تجمع بين التعقيدات الصوتية والأحجار الطبيعية، إلى فرانك مولر Franck Muller التي تستكشف العلاقة بين الفن المكسيكي وصناعة الساعات السويسرية، مروراً ببريتلينغ Breitling التي تستعيد إرث الطيران والفضاء، وصولاً إلى رالف لورين Ralph Lauren التي تستحضر أناقة البدلات الرسمية وروح المغامرات البحرية، تتبلور رؤية جديدة للفخامة تتجاوز الوظيفة التقليدية للساعة.
أوديمار بيغه… حين تصبح الدقة الميكانيكية تجربة سمعية وبصرية

تواصل دار أوديمار بيغه استكشاف حدود الإبداع التقني والحرفية التقليدية عبر مجموعة من الإصدارات الجديدة ضمن مجموعتي Royal Oak وCode 11.59، تجمع بين التعقيدات الميكانيكية المتطورة والجمال الطبيعي للأحجار الكريمة. وتبرز في مقدمة هذه الإصدارات ثلاث ساعات جديدة مزودة بتقنية Supersonnerie، التي ظهرت للمرة الأولى عام 2015 وشكّلت خطوة مهمة في تطوير الأداء الصوتي للساعات المزودة بآلية تكرار الدقائق. وتقوم هذه التقنية على منظومة تجمع بين أجراس حاصلة على براءات اختراع ولوح خاص لتعزيز الصوت ومنظّم صامت، بهدف إنتاج رنين أكثر وضوحاً وجودة. وتعمل الإصدارات الثلاثة بواسطة العيار 2953، الذي يجسّد خبرة الدار في صناعة الساعات المعقدة. وتضم مجموعة Royal Oak Minute Repeater Supersonnerie إصدارين بقطر 42 ملم، الأول مصنوع بالكامل من التيتانيوم مع ميناء أخضر متدرج بتشطيب أشعة الشمس، يتجه نحو اللون الداكن عند الأطراف.

أما الثاني، فيأتي للمرة الأولى بالذهب الوردي عيار 18 قيراطاً، مع ميناء بني يحمل زخرفة Grande Tapisserie الشهيرة.

وفي المقابل، تقدم مجموعة Code 11.59 إصداراً جديداً من ساعة Minute Repeater Supersonnerie المصنوعة من الذهب الأبيض عيار 18 قيراطاً. ويكشف ميناؤها المصنوع من الياقوت المدخّن عن أجزاء من الحركة الميكانيكية الداخلية، في تصميم يحوّل تعقيدات الساعة إلى عنصر جمالي يمكن تأمله.
الأحجار الطبيعية تعيد تعريف فخامة الميناء

لا تقتصر ابتكارات أوديمار بيغه على الجانب الميكانيكي، إذ تقدم الدار أيضاً ساعتين أوتوماتيكيتين جديدتين بقطر 38 ملم ضمن مجموعة Code 11.59، تتميزان بميناءين مصنوعين من حجر السبج الذهبي والأونيكس الأسود. يأتي الإصدار الأول بعلبة من الذهب الأصفر عيار 18 قيراطاً، مع ميناء من السبج الذهبي الذي يتميز بانعكاساته المعدنية الطبيعية. وتمنح زخرفة أشعة الشمس الحجر عمقاً بصرياً يتغير تبعاً لزاوية سقوط الضوء.

أما الإصدار الثاني، فيجمع بين الذهب الوردي عيار 18 قيراطاً وميناء من الأونيكس الأسود المصقول كالمرآة، تتوزع عليه مؤشرات ساعات مرصعة بأحجار ألماس مقطوعة بأسلوب باغيت. وتكشف هذه الإصدارات عن توجه يجمع بين المهارة التقنية وجمال المواد الطبيعية، حيث تصبح الخصائص الفريدة لكل حجر جزءاً من شخصية الساعة، بدلاً من الاكتفاء باستخدامه عنصراً زخرفياً.
فرانك مولر… الفن المكسيكي يجد مكانه على المعصم

في اتجاه مختلف، اختارت دار فرانك مولر توسيع علاقتها بالفنون المعاصرة من خلال تعاون مع الفنان التشكيلي المكسيكي أمادور مونتيس، أثمر إصدار Vanguard Slim Amador Montes ضمن مشروع The Art of Time. ويعكس هذا التعاون لقاء عالمين إبداعيين، يجمع الأول بين المهارة السويسرية في صناعة الساعات، بينما يستمد الثاني عناصره من التجربة الفنية لمونتيس، الذي يمتلك مسيرة تتجاوز 25 عاماً، شارك خلالها في أكثر من 130 معرضاً في الأميركتين وأوروبا وآسيا. واستند التصميم إلى مجموعة من الرموز البصرية التي تميّز أعمال الفنان، وفي مقدمتها حشرة طويلة الأرجل تُعرف باسم Crane Fly، استُلهم من أجنحتها شكل عقارب الساعة. ويأتي الميناء باللون الجملي مع تشطيب دقيق بتقنية السفع المجهري، وتفاصيل ورسوم مستوحاة من عالم مونتيس الفني. كما يبرز التاج الوردي بوصفه لمسة لونية تعكس إحدى السمات المميزة لأعماله.
حركة ميكانيكية سويسرية داخل تصميم فني

رغم الطابع الفني البارز للساعة، تحافظ فرانك مولر على حضور خبرتها الميكانيكية من خلال تزويدها بالحركة الأوتوماتيكية MVT FM 708 المطورة داخل الدار، والمؤلفة من 136 مكوناً. ويحافظ التصميم على علبة Vanguard الشهيرة بشكلها البرميلي المنحني، مع تفاصيل جانبية بلون الكراميل وحزام مدمج في العلبة بواسطة برغيين مخفيين، ما يعزز انسيابية الخطوط. وتتضمن المعلومات الخاصة بالإصدار إنتاجاً محدوداً من 60 ساعة، مع الإشارة إلى نسخ من الفولاذ المقاوم للصدأ والذهب الوردي عيار 18 قيراطاً. وتبلغ أبعاد العلبة 35 ملم عرضاً و8.7 ملم سماكة، وترافقها قطعتا حزام قابلتان للتبديل باللونين الوردي والجملي. ولا تتوقف البصمة الفنية عند الساعة نفسها، إذ صمم مونتيس علبة العرض الخاصة بها، لتصبح تجربة اقتنائها امتداداً للعمل الفني. ويعكس هذا الإصدار تنامي أهمية التعاون بين دور الساعات والفنانين، حيث لم يعد التصميم مجرد إضافة زخرفية، بل أصبح وسيلة لإنتاج قطع تحمل سردية ثقافية وهوية بصرية مستقلة.
بريتلينغ… من قمرة الطائرة إلى الفضاء في رحلة عبر الزمن
View this post on Instagram
بينما تتجه بعض الدور نحو الفن المعاصر، تعود بريتلينغ إلى أرشيفها التاريخي لإحياء واحدة من أبرز مراحل صناعة ساعات الطيران. فقد كشفت الدار عن إصدارين جديدين هما Navitimer B09 Chronograph 41 وNavitimer B02 Chronograph 41 Cosmonaute، يعيدان روح ساعات الستينيات إلى مجموعتها الأساسية، مع شعار Twin Jet الذي ارتبط بهوية العلامة خلال تلك الحقبة. وتعود جذور Navitimer إلى عام 1952، عندما طُورت بوصفها أداة عملية للطيارين، تجمع بين الكرونوغراف والمسطرة الحاسبة الدائرية التي تتيح إجراء حسابات مرتبطة بالطيران. لكن إحدى أهم محطات هذه المجموعة جاءت عام 1962، عندما طلب رائد الفضاء الأميركي سكوت كاربنتر تطوير نسخة تناسب ظروف رحلات الفضاء، مع نظام لعرض الوقت على مدار 24 ساعة، بدلاً من النظام التقليدي المؤلف من 12 ساعة. وفي 24 مايو 1962، ارتدى كاربنتر ساعة Cosmonaute خلال رحلته المدارية Mercury-Atlas 7، لتصبح أول ساعة يد سويسرية تصل إلى الفضاء.
Cosmonaute إرث الفضاء يعود بحركة يدوية
تستعيد ساعة Navitimer B02 Chronograph 41 Cosmonaute هذا التاريخ من خلال علبة من الفولاذ المقاوم للصدأ بقطر 41 ملم، وحركة كرونوغراف يدوية التعبئة من عيار B02، تتميز بنظام عرض الوقت على مدار 24 ساعة. ويأتي دمج نافذة التاريخ داخل الميناء الفرعي السفلي للحفاظ على التوازن البصري للتصميم، بينما تتوافر الساعة بحزام جلدي بني متدرج أو سوار فولاذي من سبعة صفوف.
أما Navitimer B09 Chronograph 41، فتستحضر تصاميم الستينيات التي ارتبطت أيضاً بسائقي سباقات السيارات جيم كلارك وغراهام هيل، اللذين كانا يمارسان الطيران. وتأتي الساعة بميناء أسود أو أزرق مع عدادات فرعية بيضاء متباينة، في تصميم يُعرف باسم الباندا المعكوس، مع الاستغناء عن نافذة التاريخ للحفاظ على الطابع الكلاسيكي. ويكتسب الإصداران أهمية إضافية من اعتمادهما على التعبئة اليدوية، التي تعيد العلاقة المباشرة بين مرتدي الساعة وآليتها الميكانيكية، بعدما أصبحت الحركات الأوتوماتيكية أكثر انتشاراً. واللافت أن بريتلينغ لم تطرح هذين الإصدارين بوصفهما قطعاً تذكارية محدودة فحسب، بل قررت إدراجهما بصورة دائمة ضمن مجموعة Navitimer ، في خطوة تؤكد أن العودة إلى التراث باتت جزءاً من استراتيجيتها المعاصرة.
رالف لورين… حين تلتقي أناقة الأزياء بعالم صناعة الساعات

من جهتها، تواصل رالف لورين تطوير عالمها الخاص في صناعة الساعات، مستفيدة من هويتها المرتبطة بالأناقة الأميركية الكلاسيكية، ومن قدرتها على تحويل الرموز البصرية للعلامة إلى تصاميم تحمل طابعاً شخصياً. وفي خريف 2026، تقدم الدار ساعة Polo Bear Tuxedo Watch، التي تعيد تقديم الدب الشهير للعلامة بأسلوب أكثر رسمية، إذ يظهر دبّان يرتديان بدلتين رسميتين سوداوين مع ربطتي عنق فراشيتين. ويبلغ قطر الساعة 38 ملم، وتتميز بميناء أبيض مع تفاصيل ثلاثية الأبعاد تمنح الرسوم عمقاً بصرياً، إلى جانب أرقام عربية وعقارب حمراء تضيف تبايناً لونياً لافتاً. ولا يُعد هذا الإصدار الأول الذي تستعين فيه رالف لورين بشخصية Polo Bear، فقد طرحت مجموعة ساعات تحمل هذه الشخصية عام 2018، ضمن تصاميم متنوعة تحولت إلى جزء من هويتها في عالم الساعات. وتكشف النسخة الجديدة عن قدرة العلامة على الجمع بين الطابع المرح والأناقة الرسمية، من دون التخلي عن التفاصيل التي جعلت الدب رمزاً معروفاً في عالم الأزياء.
Nautical Collection استحضار المغامرات البحرية
وفي إصدار آخر، تنتقل رالف لورين من أجواء المناسبات الرسمية إلى عالم البحر والمغامرات، مع ساعتين جديدتين ضمن Nautical Collection، تستوحيان تصميمهما من أدوات الملاحة البحرية القديمة. وتأتي الساعتان بقطر 42 ملم، مع علبة من الفولاذ المقاوم للصدأ بتشطيب يحاكي النحاس العتيق، وميناء يتوافر باللون الأسود أو الأبيض المائل إلى العاجي. ويمنح التشطيب المعدني المعتّق الساعتين طابعاً مستوحى من الأدوات البحرية التي تحمل آثار الزمن والرحلات الطويلة، بينما يحافظ التصميم على الأناقة الهادئة التي ترتبط بهوية رالف لورين. وعلى المستوى التقني، تعمل الساعتان بواسطة الحركة الأوتوماتيكية السويسرية RL514، التي طورتها بياجيه لصالح رالف لورين، ما يعكس التعاون بين خبرة صناعة الساعات السويسرية والرؤية التصميمية للدار الأميركية. ويؤكد هذان الإصداران أن رالف لورين لا تسعى إلى منافسة دور الساعات التقليدية من خلال التعقيدات الميكانيكية وحدها، بل تعمل على تقديم رؤية ترتبط بأسلوب الحياة والهوية البصرية، حيث تصبح الساعة جزءاً من قصة أوسع تشمل الأزياء والسفر والمغامرة.
من التعقيدات الميكانيكية إلى الهوية الشخصية… إلى أين تتجه صناعة الساعات الفاخرة؟
View this post on Instagram
تكشف هذه الإصدارات عن أربعة مسارات متوازية في صناعة الساعات الفاخرة. فهناك دور تواصل الاستثمار في الابتكار الميكانيكي، وأخرى تستكشف العلاقة بين الفن والتصميم، بينما تعود علامات تاريخية إلى أرشيفها لتقديم تصاميم كلاسيكية برؤية معاصرة، وتستفيد علامات الأزياء من رموزها الثقافية لبناء هوية مميزة في عالم الساعات. ورغم اختلاف هذه المقاربات، فإنها تلتقي عند فكرة أساسية تتمثل في أن قيمة الساعة الفاخرة لم تعد ترتبط بوظيفتها العملية وحدها، بل بالقصة التي تحملها، وبالتجربة التي تمنحها لمالكها. فالصوت الذي تنتجه ساعة أوديمار بيغه، والرموز الفنية التي تزين ميناء فرانك مولر، والذاكرة التاريخية التي تستحضرها بريتلينغ، والأناقة الأميركية التي تجسدها رالف لورين، جميعها عناصر تجعل الساعة وسيلة للتعبير عن الذوق والاهتمامات والانتماء إلى عالم ثقافي أو فني معين. كذلك، تبرز أهمية المواد والتفاصيل الحرفية في تعزيز التفرّد. فمن الأحجار الطبيعية التي لا تتطابق أنماطها تماماً، إلى التصاميم الفنية محدودة الإنتاج، ومن الحركات الميكانيكية المعقدة إلى التشطيبات المستوحاة من الأدوات التاريخية، تتعدد الوسائل التي تعتمدها الدور لتقديم ساعات تتمتع بشخصية مستقلة. وفي وقت أصبحت فيه معرفة الوقت متاحاً عبر الأجهزة الرقمية والهواتف الذكية، تواصل صناعة الساعات الميكانيكية الفاخرة تقديم سبب مختلف لاقتناء الساعة: ليس الحاجة إلى معرفة الوقت، بل الرغبة في امتلاك قطعة تجمع بين الهندسة والإبداع والذاكرة والحرفية. وهكذا، تؤكد إصدارات 2026 أن مستقبل صناعة الساعات الفاخرة لا يقوم بالضرورة على الابتعاد عن الماضي أو الارتهان للتكنولوجيا، بل على القدرة على الجمع بين الإرث والابتكار، وتحويل كل ساعة إلى تجربة تتجاوز حدود الزمن.





