لم تعد صناعة الساعات الفاخرة تقتصر على تطوير آليات أكثر دقة أو ابتكار تصاميم تستعرض المهارات التقنية، بل باتت بعض الإصدارات تستمد شخصيتها من عوالم تتجاوز حدود صناعة الوقت. فالثقافة والفنون والتاريخ والسيارات وحتى التقاليد الحرفية المحلية، أصبحت مصادر إلهام تمنح الساعة هوية مستقلة وحكاية تتجاوز وظيفتها الأساسية. وتلتقي أربعة إصدارات من شوباردChopard وبريتلينغ Breitling وهوبلوHublot ورالف لورين Ralph Lauren عند هذا التوجه، رغم اختلاف مرجعياتها الجمالية والتقنية. ففي حين تستحضر شوبارد رموز الثقافة المكسيكية من خلال حرفة التطعيم النادرة، تنقل بريتلينغ هوية سيارة أستون مارتن Valhalla إلى المعصم. أما هوبلو، فتعود إلى التصميم الذي أسس شخصيتها عام 1980، فيما تستلهم رالف لورين تقاليد صياغة الفضة في الغرب الأميركي. وما يجمع هذه الساعات ليس أسلوب التصميم أو مستوى التعقيد الميكانيكي، وإنما قدرة كل إصدار على ترجمة قصة مختلفة إلى مواد وألوان وتفاصيل وتقنيات. وهكذا تصبح الساعة وسيلة للاحتفاء بالتراث أو التعبير عن شخصية مقتنيها، إلى جانب كونها إنجازاً في صناعة الساعات.
ساعة شوبارد L.U.C Full Strike Día de los Muertos تحتفي بالثقافة المكسيكية وفنون التطعيم النادرة

تأخذ دار شوبارد مفهوم الساعة الفنية إلى مستوى مختلف مع إصدار L.U.C Full Strike Día de los Muertos Edition 13، الذي يحتفي بالتقاليد المكسيكية المرتبطة بعيد الموتى، وهو مناسبة ثقافية تجمع بين استذكار الراحلين والاحتفاء بالحياة. ويأتي الإصدار الثالث عشر من هذا الطراز في نسخة فريدة من نوعها، تجمع بين آلية مكرر الدقائق المعقدة وفنون التطعيم اليدوي، ليصبح المينا مساحة فنية تستحضر رمز الجمجمة المزخرفة Calavera، أحد أبرز الرموز المرتبطة بالاحتفال المكسيكي. وتتألق الساعة بعلبة يبلغ قطرها 42.5 ملم، مصنوعة من الذهب الوردي الأخلاقي عيار 18 قيراطاً، بينما يحمل المينا تفاصيل زخرفية مستوحاة من الرموز التقليدية التي تعكس العلاقة بين الحياة والموت والذاكرة. وتبرز خصوصية هذا الإصدار في استخدام شوبارد تقنية التطعيم بقشر البيض للمرة الأولى، إلى جانب قش الجاودار المصبوغ بالأزرق الداكن. وقد استغرق تنفيذ المينا 601 ساعة عمل على يد حرفي واحد، استخدم خلالها أكثر من 70 قطعة من قش الجاودار، إضافة إلى قطع دقيقة من قشر البيض شُكّلت ورُتبت يدوياً.

ولا تتوقف براعة الساعة عند الزخرفة الخارجية، إذ تضم عيارL.U.C 08.01-L المزوّد بآلية مكرر الدقائق، التي تعتمد على أجراس من الكريستال الياقوتي متصلة بزجاج الساعة ضمن بنية واحدة، بما يتيح إصدار رنين مميز. وهي تقنية ارتبطت بتاريخ مجموعةFull Strike التي حصدت جائزة العقرب الذهبي في جنيف عام 2017. وبهذا الإصدار، تجمع شوبارد بين بعدين مختلفين: الحفاظ على حرف زخرفية نادرة، وتطوير تعقيدات ميكانيكية وصوتية متقدمة. فالساعة لا تستحضر الثقافة المكسيكية في مظهرها فحسب، بل تجعل من الحرفية اليدوية عنصراً أساسياً في هويتها.
ساعة بريتلينغ Super Chronomat Aston Martin Valhalla تنقل هندسة السيارات الخارقة إلى المعصم

من الحرف التقليدية إلى عالم الأداء الهندسي، تقدم بريتلينغ مقاربة مختلفة لمفهوم الهوية في الساعات الفاخرة، من خلال برنامج حصري يتيح لأصحاب سيارة Aston Martin Valhalla تصميم ساعة Super Chronomat تعكس تفاصيل سياراتهم وأذواقهم الشخصية. وتستند هذه المبادرة إلى الشراكة بين بريتلينغ وأستون مارتن، اللتين تتقاطع خبراتهما في الدقة والهندسة والتصميم. فالسيارة البريطانية الخارقة، التي يقتصر إنتاجها على 999 سيارة حول العالم، تجمع بين محرك احتراق داخلي وثلاثة محركات كهربائية، بقوة إجمالية تبلغ 1079 حصاناً، وقدرة على التسارع من صفر إلى 100 كيلومتر في الساعة خلال 2.5 ثانية. وتترجم بريتلينغ هذه الروح الهندسية إلى إصدارين قابلين للتخصيص، يختلفان في الحجم والوظائف، لكنهما يشتركان في استلهام المواد والتفاصيل من عالم السيارات عالية الأداء. يأتي الإصدار الأول Super Chronomat B19 44 Perpetual Calendar Chronograph بعلبة من التيتانيوم يبلغ قطرها 44 ملم، ومينا من ألياف الكربون، إلى جانب آلية تجمع بين الكرونوغراف والتقويم الدائم. وتتميز الساعة بقدرتها على متابعة اختلاف أطوال الأشهر والسنوات الكبيسة وأطوار القمر، من دون الحاجة إلى تعديل يدوي رئيسي حتى عام 2100، فضلاً عن احتياطي طاقة يبلغ 96 ساعة.
حركة أوتوماتيكية لعرض الوقت والتاريخ
يجمع الإصدار الثاني Super Chronomat Automatic 38، بين علبة من الفولاذ المقاوم للصدأ بقطر 38 ملم، ومينا من ألياف الكربون وإطار مرصع بالألماس، مع حركة أوتوماتيكية لعرض الوقت والتاريخ. وتتيح خيارات التخصيص اختيار ألوان بعض عناصر المينا والعقارب والحلقة المحيطية، إلى جانب إضافة نقوش شخصية، بما يعزز العلاقة بين الساعة والسيارة التي يمتلكها العميل. وتكشف هذه المبادرة عن توجه في قطاع المنتجات الفاخرة يقوم على توسيع تجربة الاقتناء إلى ما يتجاوز المنتج الأصلي. فالساعة هنا ليست مجرد إصدار مستوحى من سيارة رياضية، بل قطعة يمكن لصاحب السيارة المشاركة في تحديد ملامحها، لتصبح امتداداً شخصياً لتجربته مع أستون مارتن.
ساعة هوبلو Classic Fusion Tributo تُعيد إحياء تصميم عام 1980 بالذهب الأبيض والأصفر

إذا كانت بريتلينغ تستلهم هويتها من عالم السيارات المعاصرة، فإن هوبلو تتجه نحو تاريخها الخاص، مستعيدة التصميم الذي شكل نقطة انطلاقها قبل 46 عاماً. فمع إصدار Classic Fusion Tributo، تعود الدار إلى عام 1980، عندما قدم مؤسسها كارلو كروكو ساعة جمعت بين الذهب والمطاط الأسود، في خطوة خرجت عن المفاهيم التقليدية للفخامة السائدة آنذاك. وقد أصبحت هذه التركيبة أساساً للهوية التصميمية التي ارتبطت بهوبلو، والتي تقوم على الجمع بين مواد مختلفة في قطعة واحدة، ضمن فلسفة تطورت لاحقاً لتصبح إحدى السمات المميزة للدار. ويحافظ الإصدار الجديد على العناصر الأساسية للتصميم الأصلي، من العلبة الذهبية إلى الحزام المطاطي الأسود، مروراً بالإطار المستوحى من كوة السفينة والمسامير الاثني عشر، مع تحديث الأبعاد من 36 إلى 38 ملم.

لكن التطور الأبرز يظهر في الجانب الميكانيكي. فبينما كانت الساعة الأصلية تعمل بحركة كوارتز، تعتمد Classic Fusion Tributo الجديدة على حركة أوتوماتيكية من صنع الدار، توفر احتياطي طاقة يقارب 60 ساعة، ويمكن مشاهدة تفاصيلها عبر ظهر العلبة المصنوع من كريستال الصفير. وتقدم هوبلو الإصدار بتصميمين مختلفين. يستحضر الأول، المصنوع من الذهب الأصفر، الطابع الأصلي للساعة، مع مينا أسود مطلي باللكر وتفاصيل ذهبية تعيد التأكيد على هوية الدار الأولى. ويحمل المينا أيضاً شعار MDM الذي يرتبط بتاريخ العلامة ومؤسسها.

أما إصدار الذهب الأبيض، فيتبنى أسلوباً أكثر هدوءاً ورسمية، مع مينا من العقيق الأسود المصقول وتفاصيل تستلهم أناقة الخياطة الإيطالية. وتحافظ الساعة على مقاومة للماء حتى عمق 100 متر، فيما تقدم هوبلو برنامج كفالة يتيح تمديد التغطية حتى عشر سنوات. ومن خلال هذا الإصدار، لا تكتفي الدار باستعادة تصميم تاريخي، بل تعيد تفسيره باستخدام خبراتها التقنية الحالية. وهو توجه يعكس أهمية الأرشيف في صناعة الساعات الفاخرة، حيث يمكن للتصاميم القديمة أن تشكل أساساً لإبداعات جديدة، من دون التخلي عن ملامحها الأصلية.
ساعة رالف لورين Western Cushion 38mm تستحضر تراث الغرب الأميركي ونقوش الفضة التقليدية

تختتم رالف لورين هذه الرحلة بين الثقافات والهويات بإصدار Western Cushion 38mm، الذي يستلهم تقاليد الحرف اليدوية في الغرب الأميركي، ولا سيما فنون نقش الفضة التي ارتبطت بتاريخ المنطقة وأسلوبها الجمالي. وتعكس الساعة اهتمام العلامة بالجمع بين التراث الأميركي وصناعة الساعات السويسرية، من خلال تصميم يستحضر القطع الفضية التقليدية التي تتميز بنقوشها الغنية وتفاصيلها اليدوية. وتأتي الساعة بعلبة من الفضة الإسترلينية بقطر 38 ملم، تتخذ شكلاً مربعاً بحواف مستديرة، مع نقوش دقيقة ومعالجة سطحية تمنح المعدن مظهراً معتقاً يبرز عمق الزخارف وتفاصيلها. وتقدم المجموعة ثلاثة خيارات للمينا، يحمل كل منها طابعاً جمالياً مختلفاً.

يتميز الإصدار الأول بمينا أسود مطلي باللكر، تتباين معه الأرقام الفاتحة، في تصميم يجمع بين الطابع الكلاسيكي وحضور النقوش الفضية.

أما الإصدار الثاني، فيعتمد على مينا مصنوع من حجر الفيروز الطبيعي المصقول، أحد الأحجار المرتبطة بالهوية البصرية للغرب الأميركي، ليضيف لوناً حيوياً يتكامل مع العلبة الفضية المنقوشة.

ويأتي الإصدار الثالث بمينا أبيض مائل إلى العاجي، تتوزع عليه أرقام رومانية وعربية باللون الأسود، في تصميم يستحضر أناقة الساعات القديمة والقطع التراثية. ورغم حضور الزخرفة التقليدية، تعتمد الساعة على حركة ميكانيكية أوتوماتيكية سويسرية من عيار RL514، تنتجها بياجيه حصرياً لرالف لورين، وتتميز بتشطيبات تقليدية تشمل زخارف Côtes de Genève والتلميع الدائري المعروف باسم Perlage. وتكتمل المجموعة بأحزمة جلدية قابلة للتبديل، تمنح التصاميم مرونة في التنسيق مع أساليب مختلفة من الأزياء. وتقدم رالف لورين من خلال هذه المجموعة قراءة خاصة لفكرة التراث، حيث تتحول تقاليد صياغة الفضة والأحجار الطبيعية إلى عناصر تصميمية معاصرة، مع الحفاظ على ارتباطها بالجذور الثقافية التي استوحت منها العلامة هذه الإبداعات.
الساعات الفاخرة بين الحرف التقليدية والتكنولوجيا والتعبير عن الهوية
View this post on Instagram
تكشف الإصدارات الأربعة عن تنوع الطرق التي تعتمدها دور الساعات في بناء شخصية منتجاتها. فشوبارد تجعل من الثقافة المكسيكية والحرف النادرة محوراً لإصدار فني شديد التعقيد، بينما تربط بريتلينغ بين الهندسة الميكانيكية وتجربة اقتناء السيارات الخارقة. وفي المقابل، تعود هوبلو إلى تاريخها لتؤكد استمرارية فلسفتها التصميمية، فيما تنقل رالف لورين فنون الغرب الأميركي إلى عالم الساعات السويسرية من خلال النقوش الفضية والأحجار الطبيعية. ورغم اختلاف المقاربات، تتقاطع هذه الإصدارات عند فكرة أساسية، وهي أن قيمة الساعة الفاخرة لا تُختزل في المواد الثمينة أو التعقيدات الميكانيكية وحدها، بل تتشكل أيضاً من القصة التي يحملها التصميم، والمهارات التي يتطلبها تنفيذه، والهوية التي يعبر عنها. وبين الاحتفاء بالماضي واستكشاف إمكانات الحاضر، تؤكد هذه الإصدارات أن صناعة الساعات تواصل تطوير علاقتها بالفنون والثقافات والتصميم، لتقدم قطعاً تجمع بين قياس الوقت وتوثيق الحكايات التي تمنح كل إصدار خصوصيته.


