قصص الرياضة تعرف الأبطال الذين يعتزلون ليصيروا ذكرى، وتعرف القلة الذين يعتزلون ليصيروا أكثر تأثيراً مما كانوا خلف المقود. محمد بن سليم من الفئة الثانية بامتياز: الإماراتي الذي روض صحارى المنطقة وحصد ألقابها لعقود، ثم صعد إلى المقعد الأعلى في رياضة السيارات العالمية كلها، ليكتب اسمه مرتين في تاريخ اللعبة، مرة بالسرعة خلف المقود ومرة بالقيادة من أعلى مقعد فيها. في هذا الملف من مجلة رجال نقرأ المسيرة المزدوجة التي جعلت من ابن دبي رمزاً عربياً عالمياً في عالم المحركات.
من بطل الرالي إلى رئيس الاتحاد الدولي للسيارات: محطات في مسيرة محمد بن سليم

زمن المقود: سيد صحارى المنطقة
على رمال المنطقة وطرقها الوعرة بنى بن سليم أسطورته الأولى: أربعة عشر لقباً في بطولة الشرق الأوسط للراليات، رقم يجعله من الأكثر تتويجاً في تاريخها كله، وعقود من الهيمنة جعلت اسمه مرادفاً للرالي في الوجدان الخليجي. لم يكن بطلاً عابراً بل مدرسة كاملة في القيادة الصحراوية، يعرف الرمال ومزاجها المتقلب كما يعرف راحة يده، ويحول أقسى مراحل السباقات وأخطرها إلى عروض تفوق شخصية يتناقلها المتابعون.
زمن القرار: من المنافسة إلى الإدارة
بعد الاعتزال لم يغادر الملعب بل غير موقعه فيه: قاد العمل المؤسسي لرياضة السيارات في الإمارات وطور بنيتها، وتدرج في مناصب الاتحاد الدولي حتى نائب الرئيس، متعلماً دهاليز الإدارة الرياضية العالمية وملفاتها المعقدة من الداخل لسنوات طويلة، قبل أن يتوج المسار كله بانتخابه رئيساً للاتحاد الدولي للسيارات، الهيئة الحاكمة للفورمولا 1 وكل سباقات الكوكب المنظمة، في سابقة تاريخية كاملة الأركان.
كيف غيّر محمد بن سليم وجه الرياضة السياراتية العربية والعالمية؟

قبل جيله كانت رياضة المحركات في المنطقة هواية نخبوية مستوردة بجمهور محدود، واليوم صارت صناعة إقليمية كاملة الأركان: بطولات محلية وقارية تخرج المواهب جيلاً بعد جيل، وبنية تحتية من الحلبات العالمية المصنفة تستضيف أكبر الأحداث، وجمهور عربي عريض يتابع السباقات متابعة الدوريات الكبرى ويحفظ أسماء السائقين والفرق.
وذروة هذا الحضور سباق سنوي على أرض الإمارات صار من محطات الموسم العالمي الثابتة التي تختتم الأبطال وتتوجهم، كما نغطيه في ملف الفورمولا 1 في الإمارات وليلته الختامية الأيقونية. هذا التحول ثمرة تراكم ساهم فيه كثيرون، لكن بصمة الرجل الذي جسر بين ضفتي البطولة والإدارة تبقى الأوضح في الخريطة كلها، فهو الدليل الحي أن ابن المنطقة يستطيع الوصول لقمة اللعبة العالمية لا الاكتفاء بمقاعد متفرجيها.
محمد بن سليم والفورمولا 1: دوره في تطوير القوانين ودعم السباقات بالمنطقة
رئاسته جاءت في واحدة من أكثر مراحل الفورمولا 1 تحولاً عبر تاريخها الطويل: توسع جماهيري عالمي غير مسبوق يجلب جمهوراً جديداً كل موسم، وضغوط استدامة وتقنية تعيد تعريف السيارات نفسها من محركاتها حتى وقودها، وتوازنات دقيقة بين فرق عملاقة ومصالح متشابكة.
وفي صلب هذه المرحلة حزم قوانين جديدة تغير قواعد المنافسة جذرياً وتعيد خلط أوراق الفرق كلها، كما فصلنا في تغطيتنا عن الفورمولا 1 وثورة القوانين الجديدة ومحركاتها المهجنة الجديدة. وفي قلب هذه العواصف يقود الاتحاد ملفات التوازن الصعبة بين الفرق والمنظمين والجماهير، ويحمل معها ملفاً إنسانياً فرض نفسه مؤخراً: حملة معلنة لحماية حكام السباقات ومسؤوليها من الإساءات الإلكترونية التي تلاحقهم بعد كل قرار مثير للجدل، برسالة واضحة لا لبس فيها: الاختلاف مع القرارات حق مشروع للجميع، والتنمر على أصحابها خط أحمر، وهي معركة تتجاوز رياضة السيارات لتمس كل الرياضات في زمن المنصات.
إرث محمد بن سليم: أول رئيس عربي لاتحاد رياضي دولي وماذا يعني للمستقبل؟
حين يبحث الجمهور عن اول رئيس عربي لاتحاد رياضي دولي بهذا الحجم والنفوذ العالمي، يجد اسم ابن دبي في صدارة الإجابة، وهذه الأولية تتجاوز الفخر الرمزي لمعنى عملي: الطريق صار مفتوحاً ومثبتاً بالتجربة، فالشاب العربي الذي يحلم اليوم بمقعد قيادي في المنظمات الرياضية العالمية الكبرى يملك سابقة راسخة يستند إليها ونموذجاً حياً يدرس خطواته خطوة بخطوة. ولمن يتتبع جذور الحكاية من بداياتها، فأرشيف محمد بن سليم رالي وصوره التاريخية على الرمال يروي الفصل الأول الذي جعل كل ما بعده ممكناً: القمم الإدارية لا يصلها إلا من صعد قمماً حقيقية قبلها.
فمن غبار المراحل الصحراوية إلى قاعات القرار الدولي، تختصر المسيرة درساً يليق بكل طموح: ابنِ شرعيتك في الميدان أولاً، ثم اصعد بها حيث تشاء. وتبقى تغطياتنا في قسم محركات موعدكم مع كل جديد في عالم السرعة وقادته، من خط الانطلاق حتى منصات التتويج.