في قلب أسبوع ميلانو للتصميم 2026، لم تكن كيا مجرد مشارك في حدث عالمي مزدحم بالأفكار الجريئة، بل جاءت لتطرح سؤالاً أعمق حول مستقبل السيارة نفسها: هل تبقى وسيلة نقل، أم تتحول إلى مساحة معيشة وتجربة حسية متكاملة؟ من هذا السؤال وُلدت فيجن ميتا توريسمو، السيارة الاختبارية التي كشفت الشركة عن تفاصيلها الكاملة لأول مرة عالمياً في ميلانو، بعد ظهور أولي لها في كوريا الجنوبية نهاية العام الماضي، احتفالاً بمرور ثمانين عاماً على تأسيس العلامة.
رؤية مستقبلية تعيد تعريف سيارات الرحلات الطويلة

لم يكن عرض فيجن ميتا توريسمو مجرد إطلاق طراز اختباري جديد، بل أقرب إلى تقديم بيان تصميمي وفلسفي متكامل. فالمشروع يعكس انتقال كيا نحو مرحلة جديدة من التفكير في التنقل الكهربائي، حيث تتقاطع التقنية مع العاطفة، والوظيفة مع التجربة، في محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والسيارة. وتقوم هذه الرؤية على مفهوم أساسي تتبناه كيا في تصميماتها المستقبلية، هو اتحاد الأضداد، وهو ما يمنح السيارة طابعها الفريد، إذ تجمع بين الانسيابية العضوية والدقة الهندسية، وبين الأداء الرياضي الحاد وأجواء الراحة الفاخرة المستوحاة من الصالونات الراقية.
فلسفة اتحاد الأضداد كجوهر التصميم

في قراءة أعمق للمفهوم التصميمي، تبدو فيجن ميتا توريسمو وكأنها مساحة اختبار للتناقضات المتناغمة. فأسطحها الخارجية تتأرجح بين النعومة والانسيابية من جهة، والزوايا التقنية الدقيقة من جهة أخرى، ما يخلق لغة بصرية تعتمد على التوتر المدروس لا الصدام. ويعزز تصميم المقصورة الأمامي المتقدم جداً، المعروف بنمط الكاب فورورد، الإحساس بانخفاض السيارة واتساعها، فيما يمنح الهيكل العام إحساساً بأن المركبة تنساب فوق الطريق بخفة غير مألوفة. وتظهر هذه الثنائية بوضوح عند تفاعل الضوء مع أسطح السيارة المتعددة، حيث تنكشف طبقات التصميم بشكل شبه حيّ، يجمع بين الحس الجمالي والدقة الهندسية.
تصميم خارجي يستلهم الطيران والانسيابية

يبرز في الواجهة الأمامية عنصر تصميمي لافت، يتمثل في الدمج بين الجزء التقني المظلل بالأسود وبقية الهيكل الانسيابي، ما يعزز فكرة الهيكل العائم. هذا الإحساس لا يأتي من الفراغ، بل من معالجة دقيقة للتفاصيل الهندسية التي تخفي العناصر الوظيفية داخل تكوين بصري نظيف. وتستحضر السيارة أيضاً لغة الطيران النفاث، من خلال عناصر مستوحاة من مفهوم الكانارد المستخدم في تصميم الطائرات، حيث يتم دمج العناصر التقنية مثل الإضاءة والكاميرات ضمن تكوينات تشبه الأجنحة الصغيرة. أما في الخلف، فتتحول الخطوط إلى تكوين أكثر حدة، ينتهي بحافة ديناميكية تهدف إلى تحسين الأداء الهوائي والثبات عند السرعات العالية، بينما تمتد إضاءة LED فائقة النحافة كخط بصري يحدد هوية السيارة في الليل.
مقصورة تعيد تعريف التجربة داخل السيارة

داخل المقصورة، تنتقل فيجن ميتا توريسمو من كونها سيارة إلى فضاء تفاعلي متعدد الطبقات. هنا، يصبح التصميم الداخلي منصة رقمية غامرة، تعتمد على الدمج بين الواقع المعزز والتجربة الفيزيائية، بحيث لا يعود السائق مجرد مستخدم، بل جزء من منظومة تفاعلية متكاملة. وتتوزع المقصورة بشكل يميز بين تجربتين مختلفتين: الأولى للسائق الذي يحصل على بيئة موجهة بالكامل نحو الأداء والتركيز، والثانية للراكب الذي يعيش تجربة أقرب إلى أجواء الصالونات الفاخرة، مع إمكانية التفاعل البصري عبر شاشات ثلاثية الأبعاد وتقنيات الواقع المعزز. الأثاث الداخلي نفسه يعكس هذه الازدواجية، حيث تم تصميم المقاعد من مواد شبكية خفيفة تسمح بالتهوية، مع اختلاف واضح في وضعية كل مقعد، بما يعزز فكرة التباين بين التحكم والاسترخاء داخل المقصورة الواحدة.
قيادة تتحول إلى تجربة حسية تفاعلية
View this post on Instagram
أحد أكثر الجوانب إثارة في فيجن ميتا توريسمو هو إعادة تصور أدوات القيادة التقليدية. فبدلاً من الفصل الصارم بين الميكانيكي والرقمي، تقدم كيا واجهات تفاعلية تمزج بين الإحساس المادي والاستجابة الافتراضية. ناقل الحركة، على سبيل المثال، يتحول إلى وحدة تحكم تفاعلية تحاكي الإحساس الفعلي لتبديل السرعات، مع مؤثرات صوتية واهتزازات مصممة لتعزيز الإحساس بالاندماج مع السيارة. كما يظهر زر GT Boost كعنصر أداء فوري يمنح السيارة دفعة تسارع حادة، في حين يتيح قرص التحكم تخصيص تجربة القيادة بالكامل من حيث الاستجابة والصوت والديناميكية.
عجلة قيادة مستوحاة من عالم الألعاب

في تحول لافت، تستلهم عجلة القيادة تصميمها من وحدات التحكم في ألعاب الفيديو، لتصبح واجهة رقمية تفاعلية أكثر من كونها أداة تقليدية. وتتيح هذه العجلة الانتقال بين ثلاثة أوضاع قيادة مختلفة: وضع يركز على الأداء العالي، وآخر يفتح المجال لتجربة حضرية غامرة، وثالث يحول السيارة إلى مساحة ترفيهية عند التوقف. هذا التحول يعكس بوضوح توجه كيا نحو دمج مفاهيم الترفيه الرقمي مع القيادة، في محاولة لإعادة تعريف حدود الاستخدام التقليدي للسيارة.
رؤية تتجاوز فكرة السيارة التقليدية

في النهاية، لا تقدم فيجن ميتا توريسمو إجابة نهائية بقدر ما تطرح تصوراً مفتوحاً لمستقبل التنقل. فهي لا تتعامل مع السيارة كمنتج، بل كمنصة تتطور مع المستخدم، وتعيد صياغة العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا والمساحة. وبينما يستمر عرضها في ميلانو حتى نهاية أسبوع التصميم، يبدو واضحاً أن كيا لا تسعى فقط إلى عرض نموذج مستقبلي، بل إلى اختبار حدود ما يمكن أن تكون عليه السيارة في عصر يتغير فيه تعريف الحركة نفسها.