Featured Image: Pinterest
قبل أن يتحول لامين يامال إلى أحد أبرز نجوم كرة القدم العالمية، وجد موهبته الشابة في قلب منافسة رياضية بين إسبانيا والمغرب، إذ سعى كل منتخب إلى إقناعه بارتداء قميصه مستندًا إلى روابط مختلفة تجمع اللاعب بالبلدين. الموهبة التي نشأت في أكاديمية برشلونة كانت مؤهلة للدفاع عن ألوان إسبانيا، بلد الميلاد والنشأة، أو المغرب، بلد والده منير نصراوي. ومع تسارع تطوره واقترابه من الفريق الأول للنادي الكتالوني، تحول مستقبله الدولي إلى ملف حساس تحرك فيه الطرفان على أكثر من مستوى. وبعد سنوات من حسم القرار، كشف ألبرت لوكي، المدير الرياضي السابق للمنتخب الإسباني، تفاصيل جديدة عن الاتصالات والضغوط التي سبقت اختيار يامال، مؤكدًا أن اللاعب اتخذ موقفه بنفسه رغم اختلاف توجهات المحيطين به.
سباق مبكر على موهبة برشلونة
لم تنتظر إسبانيا والمغرب وصول يامال إلى مرحلة النضج الكامل قبل التحرك. فمنذ بروزه في فئات برشلونة العمرية، أصبح واضحًا أن لامين يامال يمتلك موهبة استثنائية قد تجعله عنصرًا مهمًا في أي مشروع دولي. الاتحاد الإسباني تابع تطوره ضمن سياسة خاصة بمراقبة اللاعبين مزدوجي الجنسية، في وقت تحرك فيه المغرب للاستفادة من أصوله العائلية وإقناعه بتمثيل أسود الأطلس. ووفقًا لفرانسيس هيرنانديز، المنسق السابق للفئات العمرية في إسبانيا، كان الاتحاد يدرس ملفات نحو 200 لاعب في كل جيل، كما تابع 125 لاعبًا من مواليد الفترة الممتدة بين عامي 1996 و2010، وكان يامال من أبرز الأسماء الموجودة تحت المراقبة. هذا الاهتمام لم يكن مرتبطًا فقط بما كان يقدمه في فرق الناشئين، بل بالتوقعات المحيطة بمستقبله وقدرته على الوصول سريعًا إلى أعلى المستويات.
View this post on Instagram
والد يامال… الحلقة الأصعب
كشف ألبرت لوكي أن التعامل مع منير نصراوي، والد اللاعب، كان الجزء الأكثر تعقيدًا في المفاوضات. فالأب كان يميل بصورة أكبر إلى رؤية نجله بقميص المغرب، ما جعل الاتحاد الإسباني مطالبًا بتقديم مشروع واضح يتجاوز مجرد الاستدعاء إلى منتخبات الفئات العمرية. وفي المقابل، كثّف الجانب المغربي اتصالاته بالعائلة، مستفيدًا من الارتباط العائلي والثقافي الذي يجمع يامال بالمغرب. وبحسب لوكي، وصلت المساعي المغربية إلى مستويات رسمية، إذ توجه مدرب المنتخب المغربي إلى إسبانيا لمحاولة إقناع اللاعب وعائلته، كما دخلت جهات رسمية على خط الاتصالات. ويكشف هذا التحرك حجم الأهمية التي كان يمثلها يامال للطرفين منذ سن مبكرة، قبل أن يصبح نجمًا أساسيًا مع برشلونة أو يحقق إنجازاته اللاحقة مع المنتخب الإسباني.
والدته تسأل عن المنتخب الأول
في الوقت الذي كان فيه موقف الأب أكثر تعقيدًا بالنسبة إلى مسؤولي الاتحاد الإسباني، بدت والدة اللاعب، شيلا إيبانا، أكثر انفتاحًا على المشروع الإسباني. كانت تريد معرفة ما إذا كان المسؤولون ينظرون إلى نجلها باعتباره لاعبًا قادرًا على تمثيل المنتخب الأول، أم أن الاهتمام به سيبقى محصورًا في الفئات العمرية. وجاء رد الاتحاد الإسباني واضحًا: يامال لا يُتابع بوصفه موهبة للمستقبل فقط، بل لاعبًا يمتلك المؤهلات اللازمة للانتقال مباشرة إلى المنتخب الأول رغم صغر سنه. وقد شكل هذا الموقف نقطة مؤثرة في الملف، لأن ضمان مسار واضح مع المنتخب الأول منح اللاعب ثقة أكبر في المشروع المعروض عليه، وأظهر أن إسبانيا لا تسعى فقط إلى منعه من تمثيل المغرب، بل ترى فيه عنصرًا أساسيًا يمكن البناء عليه.
View this post on Instagram
القرار كان ليامال
رغم محاولات الاتحادين واختلاف موقفي والديه، بقي القرار النهائي بيد اللاعب. وتشير رواية لوكي إلى أن يامال كان واضحًا بشأن طموحه، إذ أبلغه بأنه يريد اللعب لإسبانيا وتحقيق لقب كأس أوروبا معها، رغم الضغوط التي كان يتعرض لها. لم يكن اختياره إذًا نتيجة تحرك إداري فقط، ولا استجابة لرغبة أحد أفراد عائلته، بل جاء منسجمًا مع المسار الذي رسمه لنفسه. فقد نشأ كرويًا في إسبانيا، ومثّل منتخباتها العمرية، ورأى أن انتقاله إلى الفريق الأول يمثل الامتداد الطبيعي لتجربته. كما أن الاتحاد الإسباني تحرك في التوقيت المناسب، فاختصر المسافة بين المتابعة والاستدعاء، ومنح اللاعب فرصة مبكرة لإثبات نفسه على المستوى الدولي.
من موهبة واعدة إلى بطل أوروبا
سرعان ما أثبت يامال أن الرهان الإسباني لم يكن مبالغًا فيه. فقد لعب دورًا بارزًا في تتويج المنتخب بلقب كأس أوروبا 2024، وتحول خلال البطولة من موهبة صاعدة إلى أحد أكثر اللاعبين تأثيرًا في تشكيلته. أظهر الجناح الشاب قدرة لافتة على التعامل مع الضغط، ولم تمنعه قلة خبرته من صناعة الفارق في المباريات الكبرى. كما منح إسبانيا بعدًا هجوميًا مختلفًا بفضل سرعته ومهارته وقدرته على الاختراق وصناعة الفرص. وبذلك تحقق الجزء الأول من الطموح الذي عبّر عنه عند حسم مستقبله الدولي، بعدما أصبح بطلًا لأوروبا بقميص المنتخب الذي اختاره.
المونديال يؤكد صواب الاختيار
وصلت رحلة يامال مع إسبانيا إلى محطة أكبر بتتويجه بكأس العالم 2026 في الولايات المتحدة، وهو في التاسعة عشرة من عمره، ليجمع بين اللقبين الأوروبي والعالمي خلال مرحلة مبكرة جدًا من مسيرته. وجاءت مشاركته في البطولة بعد عودته من إصابة عضلية أبعدته عن الملاعب نحو شهر ونصف، ما أثار تساؤلات حول جاهزيته. لكنه تمكن من المشاركة والمساهمة في مسيرة المنتخب نحو اللقب. وبعد هذا التتويج، اكتسبت تفاصيل اختياره الدولي أهمية مضاعفة. فالقرار الذي اتخذه في سن مبكرة لم يعد مجرد تفضيل بين منتخبين، بل أصبح نقطة البداية لمسيرة دولية حملت إليه اثنين من أكبر الألقاب الممكنة.
ماذا خسر المغرب؟
بالنسبة إلى المغرب، مثّل اختيار يامال لإسبانيا خسارة فنية كبيرة، خصوصًا بعدما كشف اللاعب سريعًا عن قدرته على التحول إلى أحد نجوم جيله. وكان المنتخب المغربي يأمل في البناء على أصوله العائلية وإضافته إلى مشروع كروي حقق تطورًا واضحًا خلال السنوات الأخيرة. كما أن وجود موهبة بحجم يامال كان سيمنح «أسود الأطلس» قوة هجومية إضافية وحضورًا عالميًا أكبر. لكن جنسية اللاعب المزدوجة منحته حق الاختيار، ولم تكن الروابط العائلية وحدها كافية لحسم قراره. فالمسار الرياضي، والشعور بالانتماء الكروي، والفرصة المتاحة داخل المنتخب الأول، عوامل تداخلت لتدفعه نحو إسبانيا.
ملف يتجاوز لاعبًا واحدًا
تكشف قصة يامال حجم المنافسة المتزايدة بين المنتخبات على اللاعبين مزدوجي الجنسية. فلم تعد الاتحادات تنتظر بلوغ اللاعب مرحلة النجومية، بل تراقبه منذ الفئات العمرية وتحاول بناء علاقة مبكرة معه ومع عائلته. لكن الاستدعاء السريع لا يكفي دائمًا. فاللاعب يبحث أيضًا عن مشروع يمنحه دورًا حقيقيًا، ومسارًا واضحًا، وشعورًا بأنه جزء من رؤية طويلة الأمد، لا مجرد اسم يريد الاتحاد تسجيله قبل منافسيه. نجحت إسبانيا في ملف يامال لأنها جمعت بين المتابعة المبكرة والثقة الفنية والاستدعاء إلى المنتخب الأول. أما اللاعب، فحسم القرار انطلاقًا من طموحه الشخصي، قبل أن تثبت السنوات التالية أن اختياره كان منسجمًا مع المسيرة التي أرادها. بين محاولات المغرب، وتحرك إسبانيا، واختلاف موقف والديه، بقيت الكلمة الأخيرة ليامال. اختار القميص الذي أراد أن يصنع معه التاريخ، ثم احتاج إلى أعوام قليلة فقط ليتحول من موهبة تتنافس عليها دولتان إلى بطل لأوروبا والعالم.