في اليوم الوطني السعودي السادس والتسعين، الذي يصادف 23 سبتمبر 2026، يمكن قراءة حكاية المملكة الجديدة من زاوية مختلفة: من خلال الأماكن التي تبنيها، والمواد التي تختارها، والتفاصيل التي تستعيدها من ذاكرتها. فبين طين الدرعية، ورواشين جدة، وصخور العلا، وقرى الساحل التي تستلهمها مشاريع البحر الأحمر، لا تبدو العمارة مجرد إطار للمشهد الجديد، بل تصبح إحدى اللغات التي تتحدث بها المملكة عن نفسها.
تحت شعار “عزّنا بطبعنا”، اختارت هوية اليوم الوطني لعام 2026 أن تستند إلى قيم الشجاعة والرؤية والأصالة والهمّة والجود والكرم، وأن تترجمها بصريًا عبر الخط الهندسي والزخارف المستوحاة من فنون النسيج التقليدي في المملكة، إلى جانب الخط السعودي.
ومن هنا، تبدو العمارة والتصميم مجالًا طبيعيًا لقراءة هذه الفكرة. فـ”الطبع” لا يظهر فقط في الشعار أو الهوية البصرية، بل يمكن أن يظهر أيضًا في علاقة المبنى بأرضه، وفي المادة التي يستخدمها، وفي طريقة تعامله مع الضوء والظل والمناخ، وفي التفاصيل التي تمنح المكان شخصية لا يمكن نقلها ببساطة إلى مدينة أخرى.
في السعودية الجديدة، لا تأتي العمارة منفصلة عن المكان. ولا تبدو الفنادق الفاخرة مجرد عناوين للإقامة، فيما تتحول الوجهات الجديدة إلى تجارب تحاول أن تجعل الضيف يشعر بأنه وصل إلى مكان له ذاكرة ومناخ ومواد وحكاية خاصة.
من الدرعية إلى العلا، ومن جدة التاريخية إلى ساحل البحر الأحمر، تتعدد اللغات المعمارية، لكن الفكرة التي تجمعها واحدة: كيف يمكن أن يكون المستقبل معاصرًا من دون أن يصبح بلا ذاكرة؟
الدرعية: عندما تتحول العمارة النجدية إلى رؤية للمستقبل
View this post on Instagram
في الدرعية تبدأ الحكاية من الأرض نفسها.
يحتل حي الطريف التاريخي موقعًا مركزيًا في هذه القصة؛ فهو جزء من موقع مدرج على قائمة التراث العالمي لليونسكو منذ عام 2010، ويقدم مثالًا بارزًا على العمارة النجدية في وسط الجزيرة العربية. وتصف اليونسكو الطريف بأنه نموذج لمدينة محصنة في بيئة واحة، استخدمت فيها مبانٍ الطين واللبن، مع معالجة هندسية وزخرفية تتلاءم مع البيئة المحلية.
هذه التفاصيل مهمة لأنها تكشف أن الارتباط بين العمارة والبيئة ليس اختراعًا معاصرًا. فالعمارة النجدية التقليدية نشأت أصلًا من احتياجات المكان، واستخدمت مواد متاحة محليًا، وطورت تكوينات عمرانية تتلاءم مع المناخ وطبيعة الحياة.
واليوم، لا يجري التعامل مع هذا الإرث باعتباره صورة محفوظة من الماضي، بل بوصفه مصدرًا يمكن أن تُبنى عليه تجربة معاصرة.
View this post on Instagram
في مطل البجيري، على سبيل المثال، صُممت منطقة المطاعم وفق الطراز المعماري وأساليب البناء النجدية التقليدية، فيما تطل الوجهة على حي الطريف ووادي حنيفة. وافتتح مطل البجيري في ديسمبر 2022، ليصبح أحد النماذج المبكرة التي تجمع بين الضيافة المعاصرة والمرجعية النجدية.
هنا لا تبدو الأصالة مجرد جدار طيني أو لون ترابي يضاف إلى المشهد. إنها تبدأ من طريقة بناء التجربة نفسها: الشوارع القابلة للمشي، الأفنية، الظلال، العلاقة بين المطاعم والمشهد التاريخي، والانتقال من المكان التراثي إلى الوجهة المعاصرة من دون قطيعة بصرية كاملة.
وهذا بالضبط ما يجعل الدرعية واحدة من أكثر التجارب دلالة على التحول السعودي: التراث لا يبقى خلف زجاج المتحف، بل يعود إلى الحياة في المطاعم، والساحات، والضيافة، والأنشطة الثقافية.
إنها معادلة بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة في معناها: لا إعادة إنتاج للماضي، بل إعادة استخدام لمنطقه.
العلا: عندما لا تنافس العمارة الطبيعة
View this post on Instagram
إذا كانت الدرعية تقدم الهوية من خلال التراث العمراني، فإن العلا تقدمها من خلال علاقة مختلفة تمامًا بين المبنى والمشهد الطبيعي.
هنا تصبح الصخور والوديان والجبال والواحات جزءًا من التصميم نفسه.
توضح مصادر العلا الرسمية أن عددًا من المشاريع المعمارية الحديثة في المنطقة صُمم بحيث يندمج مع محيطه الطبيعي ويستفيد من خصائص المكان بدل أن يعزله عن التجربة. وفي وادي عشار تحديدًا، تتوزع مجموعة من المنتجعات والوجهات بين التكوينات الرملية والصخرية، من بينها بانيان تري العلا وOur Habitas AlUla، إلى جانب مرايا.
View this post on Instagram
وتبدو مرايا المثال الأكثر وضوحًا لهذه الفلسفة.
فالمبنى، الذي يعني اسمه «المرايا» بالعربية، يستخدم 9740 مترًا مربعًا من الأسطح الزجاجية العاكسة، بحيث تبدو كتلته وكأنها تختفي داخل مشهد الحجر الرملي قبل أن تظهر من جديد مع تغير زاوية النظر والضوء. وتصفه العلا بأنه أكبر مبنى مكسو بالمرايا في العالم.
قوة مرايا لا تكمن في غرابة شكلها فقط، بل في العلاقة التي تقيمها مع محيطها. فالواجهة لا تقول إن العمارة يجب أن تتغلب على الطبيعة، بل تجعل الطبيعة جزءًا من صورة العمارة.
إنها مقاربة مختلفة لفكرة المعلم المعماري: بدل أن يطلب المبنى من المشهد أن يتراجع كي يظهر هو، يجعل المشهد جزءًا من ظهوره.
View this post on Instagram
وفي مكان آخر من العلا، يأخذ Design Space AlUla الفكرة إلى مستوى ثقافي. فالمركز، الموجود في حي الجديدة للفنون، يقدم نفسه كمركز دائم للمعارض والأرشيف وورش العمل، ويبحث في ممارسات التصميم العالمية من خلال عدسة التراث الثقافي والطبيعي للعلا، عبر المعارض والإقامات والحوارات.
وهنا يصبح التصميم أكثر من مبنى.
إنه وسيلة للتفكير في المكان نفسه.
الضيافة: الفخامة التي لا يمكن نقلها إلى أي مكان
View this post on Instagram
ربما يكون قطاع الضيافة أحد أكثر المجالات التي يمكن من خلالها ملاحظة التحول في مفهوم الفخامة السعودية.
الفندق لم يعد مجرد مساحة فاخرة للإقامة، بل أصبح جزءًا من قصة الوجهة.
في العلا، تقدم بانيان تري مثالًا واضحًا على ذلك. فالمنتجع يضم 47 فيلا خيامية في وادي عشار، بأسقف مرتفعة ومظلات مستوحاة من الخيام التقليدية، وتفاصيل مستوحاة من الفنون والحرف العربية. وتصفه المصادر الرسمية للعلا بأنه تجربة تستلهم الجبال الصحراوية المحيطة وتضع البيئة والإرث الإنساني في قلب التجربة.
هنا تصبح الفخامة مرتبطة بالسياق.
ليست القيمة فقط في حجم الجناح أو مستوى الخدمة، وإنما في أن يشعر الضيف بأن المكان الذي ينام فيه لا يمكن فصله عن الوادي الذي يحيط به.
حتى التفاصيل الداخلية، من الخامات إلى الألوان والمنسوجات، تعمل على إبقاء العلاقة مع البيئة حاضرة.
وهذا يقود إلى تحول أوسع في مفهوم الضيافة الفاخرة: الفخامة لم تعد بالضرورة أن تجعل المكان يبدو عالميًا؛ بل أن تجعل العالم يأتي إلى مكان لا يمكن أن يكون في أي مكان آخر.
جدة: العمارة التي تعلمت من البحر
View this post on Instagram
وفي جدة، تتغير اللغة.
هنا لا نحتاج إلى اختراع العلاقة بين العمارة والمناخ، لأنها كانت موجودة منذ قرون.
تصف اليونسكو جدة التاريخية بأنها نموذج بارز للعمارة الساحلية للبحر الأحمر، ارتبط بتطور المدينة كميناء تجاري وبوابة للحجاج القادمين بحرًا إلى مكة. وتتميز المنطقة بمنازلها البرجية، وحجرها المرجاني، وأعمالها الخشبية، وعلى رأسها الرواشين الكبيرة التي لم تكن مجرد عناصر للزينة، بل جزءًا من حلول معمارية للتعامل مع الحرارة والرطوبة والتهوية.
وهنا تحديدًا تكمن قيمة جدة في قصة التصميم السعودي.فالروشان لم يكن تفصيلًا زخرفيًا منفصلًا عن الحياة؛ كان نتيجة مباشرة للبيئة وطريقة العيش.
والحجر المرجاني لم يكن اختيارًا جماليًا فقط؛ كان جزءًا من منظومة البناء المحلية.
وبذلك تقدم جدة درسًا مهمًا للسعودية المعاصرة: العمارة المستدامة ليست دائمًا فكرة جديدة، فقد عرفت المدن التقليدية كيف تستجيب للمناخ قبل أن تصبح الاستدامة مصطلحًا عالميًا.
لذلك، فإن العودة إلى عناصر العمارة التاريخية لا تعني نسخها حرفيًا، بل يمكن أن تعني فهم المبادئ التي أنتجتها: الظل، والتهوية، والمواد المحلية، والخصوصية، والعلاقة بين الداخل والخارج.
وهنا تتحول الذاكرة إلى معرفة قابلة لإعادة التفسير.
البحر الأحمر: مستقبل معماري يبدأ من البيئة
View this post on Instagram
على ساحل البحر الأحمر، تتخذ العلاقة بين التصميم والمكان شكلًا أكثر تجريبية.
في منتجع Shebara، تبدو الوحدات الكروية المصنوعة من الفولاذ المقاوم للصدأ كأنها أجسام معلقة بين البحر والسماء. ووفق شركة البحر الأحمر، استلهم التصميم من الشعاب المرجانية، فيما صُممت الوحدات لتعكس البحر والسماء وتخلق إحساسًا بالطفو فوق المياه.
إنها صورة مختلفة تمامًا عن الطين النجدي أو الحجر المرجاني في جدة، لكنها لا تنفصل عن المكان.
فالحداثة هنا لا تأتي على هيئة مبنى تقليدي يرتدي ملامح محلية، وإنما عبر محاولة خلق علاقة بصرية ومادية مع البيئة البحرية نفسها.
View this post on Instagram
وفي Six Senses AMAALA، يأخذ هذا التوجه مسارًا آخر. فالمنتجع، وفق وصف العلامة، يستلهم أشكال القرى الساحلية السعودية، ويستخدم مواد محلية، فيما تندمج الوحدات مع تضاريس الموقع. وتضم الوجهة أجنحة وفللًا ومساكن مصممة حول خليج وبيئة بحرية تضم أشجار المانغروف والشعاب المرجانية.
هنا نصل إلى مفهوم أكثر نضجًا للفخامة: مشروع متقدم تقنيًا، لكنه لا يحتاج إلى إخفاء المكان الذي يقف فيه.
بل على العكس، يصبح الموقع جزءًا من قيمته.
“عزّنا بطبعنا”: من الشعار إلى المكان
View this post on Instagram
ربما لهذا السبب تحديدًا يبدو شعار اليوم الوطني السعودي السادس والتسعين “عزّنا بطبعنا” مناسبًا لقراءة المشهد التصميمي للمملكة.
فالهوية الرسمية لعام 2026 تربط الشعار بمجموعة من القيم: الشجاعة، والرؤية، والأصالة، والهمّة، والجود، والكرم، وتترجمها بصريًا من خلال الخط الهندسي، والزخارف المستوحاة من فنون النسيج التقليدي، والخط السعودي.
وإذا انتقلنا من الهوية البصرية إلى العمارة، يمكن قراءة هذه القيم بطريقة أخرى.
الأصالة تظهر في العودة إلى العمارة النجدية في الدرعية، وفي الحفاظ على رواشين جدة وموادها وتقنياتها بوصفها جزءًا من الذاكرة المعمارية.
الرؤية تظهر في المشاريع التي لا تكتفي بحماية التراث، بل تبحث عن طرق جديدة لتقديمه، كما في العلا.
الهمّة يمكن رؤيتها في تحويل مناطق ذات قيمة تاريخية وطبيعية استثنائية إلى وجهات قادرة على استقبال العالم من دون محو شخصيتها.
أما الجود والكرم، فهما حاضران في قلب مفهوم الضيافة نفسه؛ في الطريقة التي تتحول بها الفنادق والمطاعم والساحات إلى مساحات للتجربة واللقاء، لا مجرد منشآت خدماتية.
بهذا المعنى، يمكن النظر إلى الهوية الوطنية والتصميم من زاوية مشتركة: كلاهما يبحث عن ما يجعل المكان سعوديًا في تفاصيله، لا في شعاره فقط.
السعودية الجديدة: مستقبل يعرف من أين أتى
View this post on Instagram
ربما لا يكون الاحتفاء بالسعودية في يومها الوطني مجرد استعادة لما كان، ولا مجرد استعراض لما سيأتي.
يمكن أن يكون الاحتفاء الحقيقي في النظر إلى العلاقة بين الاثنين.
إلى الطين الذي لم يعد مادة من الماضي فقط، بل مرجعًا بصريًا وثقافيًا.
إلى الروشان الذي يكشف كيف تعلمت العمارة المحلية من المناخ.
إلى مرايا التي تجعل صخور العلا جزءًا من صورتها.
إلى الفنادق التي تبحث عن الفخامة داخل طبيعة المكان بدل عزل الضيف عنها.
وإلى مشاريع البحر الأحمر التي تحاول أن تترجم البيئة البحرية إلى لغة معمارية جديدة.
تبدو هذه الأمثلة متباعدة في الجغرافيا والمواد والأشكال، لكنها تلتقي عند فكرة واحدة: أن الهوية ليست شيئًا ثابتًا يُحفظ في الماضي، وإنما معرفة بالمكان يمكن أن تتطور مع الزمن.
وفي اليوم الوطني السعودي السادس والتسعين، قد تكون هذه إحدى أجمل الطرق لقراءة «عزّنا بطبعنا»: ليس فقط في ما تقوله المملكة عن هويتها، بل في الأماكن التي تجعل هذه الهوية مرئية، محسوسة، وقابلة لأن تُعاش.
إقرأ أيضًا:
فندق دار طنطورة ضمن قائمة أعظم الأماكن في العالم لعام 2024
أكبر مدينة مائية في السعودية تكسر 5 أرقام قياسية عالمية.. ما القصة؟