السياحة في منطقة البحر الأسود التركية… رحلة بين الجبال الخضراء والمدن التاريخية

Featured Image: Pinterest

تقدّم منطقة البحر الأسود في تركيا تجربة سياحية مختلفة عن الوجهات التركية التقليدية، إذ تجمع بين الجبال الخضراء والبحيرات والشلالات والقرى الساحلية والمواقع التاريخية والمأكولات المحلية. وتمتد المنطقة من بولو وصفرا بولو غربًا إلى طرابزون وريزا وأرتفين شرقًا، وتضم معالم بارزة مثل دير سوميلا وأوزونغول ومرتفعات آيدر وجبال كاتشكار، إلى جانب وجهات مثالية للمشي والتخييم والتجديف والتزلج. لذلك تُعد منطقة البحر الأسود خيارًا مناسبًا لمحبي الطبيعة والمغامرة والسياحة الثقافية بعيدًا عن المدن المزدحمة.

أين تقع منطقة البحر الأسود في تركيا وما الذي يميز طبيعتها؟

تمتد منطقة البحر الأسود بمحاذاة الساحل الشمالي لتركيا، حيث تفصل مساحات ضيقة من اليابسة بين البحر والجبال المتتابعة. وتنتشر على طول الساحل مدن صغيرة وقرى صيد ومرافئ هادئة، بينما ترتفع خلفها الغابات والهضاب والوديان. وتتميز المنطقة بغزارة الأمطار وخصوبة أراضيها، ما يمنحها غطاءً نباتيًا كثيفًا يختلف عن الصورة الجافة التي ترتبط ببعض المناطق التركية. كما أسهمت طبيعتها الجغرافية في تشكيل أسلوب حياة محلي يعتمد على الزراعة والصيد وتربية المواشي والحرف التقليدية. ويشكّل الطريق الساحلي المتعرج أحد أجمل طرق الرحلات البرية في تركيا، إذ يمر بالبلدات المطلة على البحر والشواطئ الهادئة والقلاع القديمة، قبل أن يقود المسافرين نحو الجبال والمرتفعات.

البحر الأسود في تركيا… طبيعة خضراء تمتد بين الجبال والساحل. مصدر الصورة: Pinterest

أفضل الأماكن السياحية في طرابزون بين دير سوميلا وبحيرة أوزونغول

تُعد طرابزون إحدى أشهر بوابات السياحة في منطقة البحر الأسود، بفضل موقعها الذي يجمع الساحل بالجبال ومعالمها التاريخية والطبيعية. ويتقدم دير سوميلا قائمة المواقع التي تستحق الزيارة. فقد شُيّد الدير الأرثوذكسي على منحدر صخري شاهق في منطقة ماتشكا، ويعود تأسيسه إلى القرن الرابع الميلادي، عندما أنشأ الراهبان برنابا وصفرونيوس كنيسة صغيرة في الموقع. وتوسع الدير خلال الحقبة البيزنطية وتحول إلى مركز للثقافة والتعليم، كما حافظ على أهميته خلال العهد العثماني، حين منحه عدد من السلاطين امتيازات وهدايا مختلفة. وأُدرج الموقع على القائمة التمهيدية للتراث العالمي لدى اليونسكو عام 2000. وبعد أعمال ترميم وتدعيم للصخور المحيطة به، عاد الدير لاستقبال الزوار، ليقدم تجربة تجمع العمارة الدينية بالمشهد الطبيعي المهيب للجبال والغابات. أما أوزونغول، الواقعة في قضاء تشايكارا، فتشتهر ببحيرتها المحاطة بالمنحدرات الخضراء. وقد تشكلت البحيرة بعدما أغلقت الصخور المتساقطة مجرى مائي، وهي اليوم جزء من متنزه أوزونغول الطبيعي وواحدة من أشهر وجهات السياحة البيئية في طرابزون.

دير سوميلا… تحفة تاريخية معلّقة على منحدرات طرابزون. مصدر الصورة: Pinterest

مرتفعات ريزا وآيدر تمنح الزوار تجربة سياحية فوق السحاب

ترتبط ريزا بمزارع الشاي والأنهار السريعة والمرتفعات التي تعلوها البيوت الخشبية التقليدية. وتأتي مرتفعات آيدر في مقدمة هذه الوجهات، إذ تقع على مسافة نحو 87 كيلومترًا من مركز ريزا و16 كيلومترًا من شاملي همشين. وتجمع آيدر بين العمارة الريفية والينابيع الحرارية والطبيعة الجبلية، كما تشكل نقطة انطلاق لاستكشاف جبال كاتشكار وممارسة المشي والتزلج بالمروحيات خلال الموسم الشتوي. ولا تقتصر مرتفعات ريزا على آيدر، إذ تقع مرتفعات بوكوت على ارتفاع 2,032 مترًا، فيما ترتفع سال إلى نحو 2,002 متر. وفي الأيام الصافية، يمكن مشاهدة البحر الأسود وجبال القوقاز من بعض النقاط المرتفعة. أما مرتفع غيتو فيشتهر بمشاهده التي تبدو وكأنها معلقة فوق السحاب، بينما يوفر مرتفع هوسر إطلالات واسعة على جبال كاتشكار ووديان بالاكشور وأفوسور وتشايماكشور وكافرون.

مرتفعات آيدر… قرى خشبية ومشاهد ساحرة فوق السحاب. مصدر الصورة: Pinterest

جبال كاتشكار وجهة للمشي والتسلق والتزلج في تركيا

يقع متنزه جبال كاتشكار الوطني ضمن حدود ولاية ريزا في شرق البحر الأسود، ويضم أعلى قمم السلسلة الجبلية التي يصل ارتفاعها إلى 3,932 مترًا. وتتميز المنطقة بغاباتها الكثيفة وأنهارها الكبيرة ونحو 100 بحيرة جليدية، ما يجعلها من الوجهات المفضلة للمصورين ومحبي الرحلات الجبلية. ورغم أن الوصول إلى عدد من البحيرات يتطلب مجهودًا بدنيًا وخبرة في السير على المرتفعات، فإن المشاهد التي تنتظر الزوار تمنح الرحلة قيمتها الاستثنائية. ويمكن ممارسة المشي لمسافات طويلة وتسلق الجبال والصخور والتزلج والتجديف، إضافة إلى التعرف إلى ثقافة سكان المرتفعات وبيوتهم وأنماط حياتهم التقليدية.

جبال كاتشكار… مغامرات بين القمم والبحيرات الجليدية. مصدر الصورة: Pinterest

وادي فرتينا وقلعة زيل يكشفان الوجه المغامر لريزا

يشكل وادي فرتينا أحد أشهر المواقع الطبيعية في ريزا. ويتكون مجراه من مجموعة من الأنهار والجداول المنحدرة عن السفوح الشمالية لجبال كاتشكار، ويمتد لنحو 57 كيلومترًا. ويتيح تدفق المياه السريع ممارسة رياضة التجديف بمستويات متفاوتة من الصعوبة، فيما تنتشر على ضفافه مزارع الشاي والجسور التاريخية ومواقع الانزلاق بالحبال. وعلى المنحدرات الغربية لوادي فرتينا ترتفع قلعة زيل، إحدى أكثر قلاع ريزا تميزًا. وقد شُيدت على كتلة صخرية ترتفع 750 مترًا عن سطح البحر ونحو 100 متر فوق مجرى النهر. وتتألف القلعة من أسوار خارجية ووسطى وقلعة داخلية، كما تضم بقايا مبانٍ كانت تستخدم للحراسة والعبادة، إلى جانب برج رئيسي تشير آثار العوارض في جدرانه إلى أنه كان مؤلفًا من أربعة طوابق.

وادي فرتينا… وجهة للتجديف بين الأنهار والجسور التاريخية. مصدر الصورة: Pinterest

أجمل الشلالات في منطقة البحر الأسود التركية

تكشف شلالات البحر الأسود عن التنوع الطبيعي الكبير الذي تتمتع به المنطقة، بدءًا من شلال بالوفيت في ريزا، الواقع ضمن متنزه جبال كاتشكار الوطني. وينحدر الشلال من ارتفاع 15 مترًا، وتحيط به مساحات خضراء تضم منصة للمشاهدة ومناطق للتخييم والنزهات. وفي أرتفين، يسقط شلال مينتشونا من ارتفاع 90 مترًا على مرحلتين، ويمكن الوصول إليه بعد رحلة مشي تستغرق نحو ساعة من نهاية الطريق المخصص للمركبات. كما يقع شلال مارال داخل محمية كاميلي للمحيط الحيوي التابعة لشبكة اليونسكو. وتنحدر مياهه من ارتفاع 63 مترًا، فيما تتشكل عند أسفله بركة طبيعية يمكن الوصول إليها بعد السير لمسافة تقارب كيلومترًا واحدًا. أما شلالات إرفيليك أو تاتليجا في سينوب، فتتكون من 28 شلالًا متفاوت الحجم، وترتبط بمسارات للمشي تتيح قضاء يوم كامل وسط الطبيعة الهادئة.

أرتفين وجهة للتجديف والوديان والغابات والحياة البرية

تجمع أرتفين بين الطبيعة الجبلية والغابات والأنهار السريعة. ويعد نهر تشوروه، الممتد لمسافة 431 كيلومترًا، من أسرع الأنهار تدفقًا، ما جعله وجهة دولية للتجديف بالكاياك والقوارب المطاطية. ويمر النهر في بايبورت وإسبير ويوسفلي وأرتفين قبل أن يعبر إلى جورجيا ويصب في البحر الأسود قرب باتومي. وتضم أرتفين كذلك متنزه وادي هاتيلا الوطني، الذي يتميز بتضاريسه المعقدة وشلالاته وأوديته العميقة. ويحتوي المتنزه على أكثر من 530 نوعًا من النباتات، من بينها عشرات الأنواع النادرة والمتوطنة، إضافة إلى حيوانات برية مثل الدببة والغزلان والثعالب والنسور. وتوفر المنصة الزجاجية في الوادي إطلالة واسعة على الجبال والمنحدرات، بينما تستقطب بحيرة شافشات كاراغول هواة التخييم والقوافل وسط غابات الصنوبر والتنوب.

أجمل المتنزهات والبحيرات في غرب البحر الأسود

تقع حديقة يدي غوللر الوطنية، أو البحيرات السبع، على مسافة نحو 40 كيلومترًا شمال مدينة بولو. وتضم سبع بحيرات تشكلت نتيجة الانهيارات الأرضية، إلى جانب الجداول والغابات ومسارات التنزه ومناطق التخييم. وتتحول المنطقة خلال الخريف إلى لوحة طبيعية تتدرج فيها ألوان الأشجار، ما يجعلها وجهة بارزة للتصوير والرحلات الهادئة. وفي بولو أيضًا، تقع بحيرة أبانت على بُعد 34 كيلومترًا جنوب غربي المدينة. وتوفر البحيرة أنشطة متعددة مثل ركوب الدراجات وصيد سمك السلمون والطيران الشراعي والجولات حول المياه، إضافة إلى التعرف إلى الحرف الخشبية والمطبخ المحلي. أما غابات ينيجه في كارابوك، فتتميز بأشجارها المعمرة وأوديتها وأنهارها وتنوعها البيولوجي. وتضم المنطقة مواقع للتخييم و15 مسارًا للمشي وسبعة مسارات لركوب الدراجات، وتبدو في أجمل حالاتها خلال فصل الخريف.

وادي فالا وشاهين كايا لعشاق المغامرات والرحلات المائية

يقع وادي فالا في قضاء بينارباشي التابع لولاية قسطموني، ويُعد من أعمق وأطول الأخاديد الطبيعية في المنطقة. يمتد لنحو عشرة كيلومترات، فيما يتراوح ارتفاع جدرانه الصخرية بين 800 و1,200 متر. وتستقطب تضاريسه هواة التصوير والتجديف والمشي والتسلق، إلا أن بعض الأنشطة داخله تحتاج إلى تصريح ومرافقة دليل بسبب صعوبة المسارات وخطورتها. وفي سامسون، يقع وادي شاهين كايا على نهر كيزيل إرماك، وتحيط بالمياه الفيروزية جدران صخرية يصل ارتفاعها إلى نحو 400 متر. ويمكن اكتشاف الوادي من خلال جولات بالقوارب تستغرق قرابة ساعة، أو ممارسة التخييم والمشي والتصوير وصيد الأسماك في محيطه.

مطبخ البحر الأسود… مذاقات تجمع الأنشوفة والجبن والشاي والبندق. مصدر الصورة: Pinterest

صفرا بولو وهاتوشا بين العمارة العثمانية وإرث الحيثيين

تمثل صفرا بولو، الواقعة شمال مدينة كارابوك، واحدة من أفضل المدن التركية في الحفاظ على العمارة التقليدية. وقد أُدرجت على قائمة اليونسكو للتراث العالمي عام 1994. وتضم المدينة قرابة ألفي منزل تركي تقليدي، يخضع نحو 800 منها للحماية القانونية، إلى جانب الحمامات والأسواق والخانات والمساجد والمباني المدنية التي تكشف عن ازدهار المدينة خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر. وفي ولاية تشوروم، تعيد مدينة هاتوشا الزائر إلى العصر البرونزي، حين كانت عاصمة للإمبراطورية الحيثية منذ القرن السابع عشر قبل الميلاد. وتضم بقايا قصور ومخازن وقاعات استقبال وتحصينات، كما تكشف طبقاتها الأثرية عن استيطان متواصل خلال العصور الفارسية والهلنستية والرومانية والبيزنطية. وقد أُدرجت هاتوشا على قائمة التراث العالمي لليونسكو عام 1986، لتصبح من أهم المحطات الأثرية في شمال تركيا.

سينوب وسامسون تستعيدان محطات أساسية من تاريخ تركيا

يُعد سجن سينوب التاريخي أحد أشهر معالم المدينة، وقد ألهم عددًا من الأفلام والأغاني والقصائد. وترجع جذور الموقع إلى القلعة الداخلية التي شُيدت بعد سيطرة السلاجقة على سينوب عام 1214. واستُخدمت تحصينات القلعة أحواضًا لصناعة السفن، ثم تحولت إلى سجون منذ القرن السادس عشر. وأُغلق السجن عام 1999 قبل أن يتحول إلى متحف يستعيد تاريخ المكان وقصص نزلائه. وفي سامسون، ترتبط عبّارة بانديرما ببداية الحركة الوطنية التركية، إذ نقلت مصطفى كمال أتاتورك من إسطنبول إلى سامسون في مايو 1919. ويستقبل الموقع اليوم الزوار من خلال نسخة مطابقة للعبّارة، ضمن متحف مفتوح يضم متنزه الكفاح الوطني.

ثقافة البحر الأسود بين موسيقى الكمنجة ولغة الصفير

لا تنفصل السياحة في البحر الأسود عن ثقافة سكانه. وتُعد الكمنجة، بصوتها الحزين والمميز، الآلة الأساسية في الموسيقى الشعبية للمنطقة، ولا سيما في ريزا وطرابزون. وغالبًا ما ترافق رقصة الهورون الجماعية، المعروفة بحركاتها السريعة وإيقاعها المتلاحق. وفي قرية كوشكوي التابعة لغيرسون، حافظ السكان على وسيلة تواصل تعرف باسم لغة الطيور أو لغة الصفير. وقد استُخدمت عبر القرون لإرسال الرسائل بين المنازل والحقول المتباعدة التي تفصل بينها الأودية. وأدرجت اليونسكو هذه اللغة ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي الذي يحتاج إلى حماية عاجلة، فيما يقام مهرجان سنوي للتعريف بها ونقلها إلى الأجيال الجديدة.

ماذا يأكل السائح في منطقة البحر الأسود التركية؟

يعكس مطبخ البحر الأسود طبيعة المنطقة ومواردها الزراعية والبحرية. وتأتي أسماك الأنشوفة في مقدمة المكونات المحلية، خصوصًا في طرابزون وريزا، حيث تقدم مقلية أو مطهية مع الأرز، كما تدخل في إعداد الخبز وأطباق أخرى. وتشتهر طرابزون بطبق كويماك أو مهلمة، وهو مزيج غني من دقيق الذرة والزبدة والجبن المحلي، إضافة إلى خبز فاكفي كبير الحجم والمخبوز على الحطب.

وفي ريزا، تنتشر مزارع الشاي على المنحدرات، إذ تضم الولاية القسم الأكبر من مزارع الشاي التركية. كما تشتهر بطبق الفاصولياء المجففة على طريقة تشايلي وعسل أنزر المنتج في المرتفعات الغنية بالنباتات البرية. وتقدم أرتفين حلوى لاز بوريي، المكونة من طبقات العجين والكريمة والقطر، بينما تُعرف سامسون بأنواع مختلفة من فطائر البيدة. وتشتهر أوردو بالبندق، وأماسيا بتفاحها العطري، وتشوروم بالحمص المحمص، وقسطموني بثوم تاشكوبرو.

أفضل وقت لزيارة منطقة البحر الأسود في تركيا

يعتمد توقيت الزيارة على طبيعة التجربة المطلوبة. ويعد الربيع والصيف مناسبين لاكتشاف المرتفعات والشلالات والبحيرات وممارسة المشي والتجديف، مع ضرورة الاستعداد للأمطار والتقلبات الجوية حتى خلال الأشهر الدافئة. ويمنح الخريف الغابات ألوانًا متدرجة، خصوصًا في بولو وكارابوك، ما يجعله موسمًا مثاليًا للتصوير والرحلات البرية. أما الشتاء، فيفتح المجال أمام التزلج والأنشطة الثلجية في مرتفعات زيغانا وآيدر وأوفِت وغيرها من المناطق الجبلية.

لماذا تستحق منطقة البحر الأسود مكانًا على خريطة السياحة في تركيا؟

تقدم منطقة البحر الأسود وجهًا أقل ازدحامًا وأكثر ارتباطًا بالطبيعة من السياحة التركية. ففي رحلة واحدة، يستطيع الزائر الانتقال من دير معلّق على الصخور إلى بحيرة وسط الغابات، ومن قرية عثمانية محفوظة إلى نهر سريع يصلح للتجديف. وتكتمل التجربة بمطبخ محلي واضح الهوية، وبيوت خشبية وحجرية، وموسيقى شعبية وتقاليد ما زالت حاضرة في الحياة اليومية. لهذا لا تبدو الرحلة إلى البحر الأسود مجرد جولة بين المعالم، بل اكتشافًا لمنطقة حافظت على شخصيتها، وتركت للطبيعة الدور الأكبر في رسمها.