سان سيباستيان 2026: نجوم السينما في واجهة الأيام الأولى

مصدر الصورة: حساب مهرجان سان سيباستيان على إنستغرام

منذ انطلاق دورته الرابعة والسبعين في 18 سبتمبر، نجح مهرجان سان سيباستيان السينمائي في جمع مزيج لافت من كبار المخرجين والنجوم والأفلام التي تعكس تنوع المشهد السينمائي العالمي. وبين العروض الأولى، المؤتمرات الصحافية، السجادة الحمراء والتكريمات، بدأت ملامح دورة تحمل حضوراً دولياً واضحاً تتشكل في المدينة الباسكية.

ويستمر المهرجان حتى 26 سبتمبر، بعد شهر سينمائي مزدحم بدأ مع مهرجان فينيسا، مروراً بمهرجان تورونتو، وصولاً إلى سان سيباستيان، التي تحولت بدورها إلى محطة أساسية لصنّاع الأفلام والنجوم خلال موسم المهرجانات الخريفي.

فيرنر هيرتزوغ

افتتاح يليق بتاريخ السينما

اختار مهرجان سان سيباستيان السينمائي 2026 أن يفتتح دورته الرابعة والسبعين باسم يصعب اختزاله في لقب «مخرج» فقط. ففي 18 سبتمبر، اعتلى فيرنر هيرتزوغ واجهة المشهد خلال حفل افتتاح المهرجان في قاعة كورسال، حيث تسلّم جائزة Donostia، أعلى تكريم فخري يمنحه المهرجان، تقديراً لمسيرة تمتد على مدى ستة عقود، وتضم نحو 80 فيلماً بين الروائي والوثائقي.

جاء التكريم احتفاءً بمسيرة رسّخت هيرتزوغ كواحد من أكثر الأصوات تأثيراً في السينما المعاصرة، وبصانع أفلام بنى عالماً خاصاً تحضر فيه الطبيعة في أقصى حالاتها، والشخصيات التي تدفع نفسها إلى الحدود القصوى، والأسئلة المتعلقة بالطموح والهوس والتناقضات الإنسانية. وهي عناصر ظلت حاضرة في أعماله على اختلاف أشكالها، من السينما الروائية إلى الأفلام الوثائقية.

ولم يكن حضور هيرتزوغ في سان سيباستيان منفصلاً عن عمل سينمائي جديد؛ فقد رافق تسلّمه الجائزة تقديم فيلمه Bucking Fastard، الذي جاء إلى المهرجان بعد عرضه في مهرجان البندقية. وبذلك، لم يكتفِ المهرجان بالنظر إلى المخرج من موقع الاحتفاء بماضيه، بل وضع مسيرته في حوار مع عمل جديد يواصل من خلاله حضوره السينمائي.

ولم يخفِ هيرتزوغ تأثره بالتكريم، إذ عبّر خلال المناسبة عن شعوره بالانتماء إلى المجتمع الباسكي، متحدثاً عن تلقيه الجائزة من شعب وصفه بأنه “شعب الشعر”.

نعومي واتس تكريم لمسيرة تمتد لأكثر من ثلاثة عقود

إذا كان فيرنر هيرتزوغ قد حمل عنوان افتتاح الدورة، فإن نعومي واتس أصبحت واحدة من أبرز وجوه اليوم الثاني، بعدما تسلمت في 19 سبتمبر جائزة Donostia، أعلى تكريم فخري يمنحه مهرجان سان سيباستيان، خلال حفل أقيم في قاعة Kursaal وقدّمه الممثل الإسباني جون بلازولا. وقام المخرج الإسباني ج. أ. بايونا بتسليمها الجائزة، في لحظة التقت فيها مسيرة الممثلة الطويلة مع واحدة من أهم محطات الدورة الحالية.

وجاء التكريم بالتزامن مع تقديم واتس فيلم The Housewife، أول فيلم روائي طويل للمخرج الكندي بن شيرينيان، والذي تؤدي فيه دور البطولة إلى جانب تاي شيريدان ولوك إيفانز ولينا أولين. تدور أحداث الفيلم في نيويورك عام 1964، حول صحافي شاب يتعقب رجلاً يُشتبه في أنه ضابط نازي يعيش سراً في كوينز، قبل أن تقوده علاقته بزوجة الرجل إلى مسار أكثر تعقيداً.

ويأتي هذا التكريم تتويجاً لمسيرة استطاعت فيها واتس الانتقال بسلاسة بين السينما المستقلة والإنتاجات الكبرى، وبين الشاشة الكبيرة والتلفزيون. وقد ترشحت مرتين لجائزة الأوسكار، عن أدائها في 21 Grams لأليخاندرو غونزاليس إينياريتو عام 2003، وThe Impossible لخوان أنطونيو بايونا عام 2012. أما الانطلاقة التي رسخت حضورها عالمياً فجاءت مع فيلم Mulholland Drive عام 2001 للمخرج الراحل ديفيد لينش، وهو الدور الذي اعتبره مهرجان سان سيباستيان من أبرز الأداءات في السينما المعاصرة. كما تعاونت خلال مسيرتها مع أسماء بارزة مثل بيتر جاكسون، ديفيد كروننبرغ، كلينت إيستوود، مايكل هانيكه، أودري ديوان ونوح بومباخ.

ولم يكن اسم لينش غائباً عن ليلة التكريم؛ إذ اختارت واتس أن تهدي جائزتها إلى المخرج الراحل، في إشارة ذات دلالة إلى العلاقة الفنية التي جمعتهما وإلى الفيلم الذي شكل إحدى أهم محطات مسيرتها.

وفي كلمتها، تحدثت أيضاً عن معنى الاستمرار في مهنة التمثيل، معتبرة أن متعة المهنة تكمن في محاولة العيش داخل شخصيات الآخرين، وفي اكتشاف شيء جديد عن الذات من خلالها.

وفي لحظة أخرى لافتة من كلمتها، تطرقت واتس إلى تمثيل النساء في مراحل عمرية مختلفة على الشاشة، مشيرة إلى أهمية أن ترى النساء من جيلها أنفسهن ممثلات في الأفلام، ومعتبرة أنها محظوظة بكونها جزءاً من التحول الجاري في هذا المجال. وتمنح هذه الكلمات تكريمها في سان سيباستيان بعداً يتجاوز الاحتفاء بمسيرة فنية ناجحة، ليصبح أيضاً مناسبة للحديث عن حضور المرأة وتجاربها المهنية في السينما المعاصرة.

وهكذا، جاءت نعومي واتس إلى سان سيباستيان ليس فقط لتقديم فيلم جديد، وإنما للاحتفاء بمسيرة امتدت لأكثر من ثلاثة عقود، صنعت خلالها لنفسها موقعاً بين السينما ذات الطابع الفني والأفلام ذات الانتشار الجماهيري، قبل أن تضيف إلى سجلها جائزة Donostia التي تسلمتها في واحدة من أبرز أمسيات الأيام الأولى للمهرجان.

بينيلوبي كروز

 عودة النجمة الإسبانية إلى الواجهة

كان حضور بينيلوبي كروز من أبرز محطات الأيام الأولى للمهرجان، إذ حضرت في 19 سبتمبر لتقديم فيلم The Invite للمخرجة والممثلة الأميركية أوليفيا وايلد، ضمن قسم Perlak.

وظهرت كروز على السجادة الحمراء إلى جانب وايلد والمنتجة سامانثا هيغل، في مشهد عكس المكانة الخاصة التي تحظى بها النجمة الإسبانية داخل مهرجان يقام في بلدها الأم، بينما تنتمي أعمالها في الوقت نفسه إلى السينما العالمية.

في The Invite، تؤدي كروز شخصية بينا ضمن قصة تتمحور حول زوجين، جو وأنجيلا، يمران بأزمة في علاقتهما، قبل أن تقودهما دعوة إلى عشاء مع جيرانهما الغامضين إلى ليلة مليئة بالأسرار والرغبات والمواقف غير المتوقعة.

ويشارك في الفيلم إلى جانبها كل من إدوارد نورتون، سيث روغن وأوليفيا وايلد، فيما تولى كتابة السيناريو وايل مكورماك ورشيدة جونز. والفيلم، الذي تبلغ مدته 107 دقائق، يجمع بين اللغتين الإنجليزية والإسبانية.

ويكتسب وجود كروز في سان سيباستيان دلالة إضافية بالنظر إلى موقعها في السينما الإسبانية والعالمية. فقد استطاعت خلال مسيرتها أن تجمع بين جذورها في الإنتاج الإسباني والعمل مع مخرجين عالميين، ما جعل حضورها في المهرجان يتجاوز صورة النجمة على السجادة الحمراء.

كما يمنحها اختيار The Invite مساحة مختلفة هذه المرة، إذ يأتي الفيلم ضمن الكوميديا الدرامية ذات البعد الاجتماعي، ويضع العلاقات الزوجية والأسرار والرغبات في قلب حكايته، فيما يعكس طاقم العمل امتداد الفيلم إلى جمهور دولي واسع.

رامي مالك

 من هوليوود إلى سينما المؤلف

ومن الأسماء الأميركية التي لفتت الأنظار في بداية الدورة رامي مالك، الذي وصل إلى سان سيباستيان في 18 سبتمبر لتقديم فيلمه الجديد The Man I Love.

ظهر مالك منذ اليوم الأول ضمن قائمة الأسماء العالمية التي حضرت إلى المدينة، إلى جانب أورلاندو بلوم ونعومي واتس وجيريمي آيرونز ودييغو لونا. ويشارك في بطولة الفيلم مع توم ستوريدج، فيما يتولى إخراجه الأميركي إيرا ساكس، الذي يترأس أيضاً لجنة التحكيم الرسمية لهذه الدورة.

ويُعرض The Man I Love ضمن قسم Perlak، الأمر الذي يضع حضور مالك في سياق مختلف عن صورته المرتبطة بالإنتاجات الهوليوودية الكبرى. فالفيلم يأتي من مخرج صاحب رؤية سينمائية واضحة، ويشارك ضمن قسم يضم أعمالاً بارزة سبق عرضها في مهرجانات دولية أخرى.

ويحمل مالك إلى سان سيباستيان رصيداً سينمائياً لافتاً، خصوصاً بعد فوزه بجائزة الأوسكار لأفضل ممثل عن تجسيده شخصية فريدي ميركوري في Bohemian Rhapsody. ومنذ ذلك الحين، واصل التنقل بين الأفلام الجماهيرية والأعمال الأكثر خصوصية، فيما أصبح حضوره مرتبطاً بالفيلم نفسه بقدر ارتباطه بنجم هوليوودي معروف.

ماريون كوتيار وكاميل كوتان

 السينما الفرنسية حاضرة

لم يغب الحضور الفرنسي عن الأيام الأولى من المهرجان، مع وجود اسمين بارزين هما ماريون كوتيار وكاميل كوتان، وإن جاءت مشاركة كل منهما من خلال فيلم مختلف ضمن المسابقة الرسمية.

رافقت كوتيار المخرجة الفرنسية نيكول غارسيا في تقديم فيلم Milo (7h40 ce matin-là)، الذي ينافس ضمن المسابقة الرسمية. ويأتي ظهورها في سان سيباستيان امتداداً لمسيرة دولية جعلتها من أبرز الممثلات الفرنسيات، خصوصاً بعد فوزها بالأوسكار عن دورها في La Vie en Rose، ومشاركتها لاحقاً في أفلام عالمية مثل Inception وThe Dark Knight Rises وAllied.

أما كاميل كوتان، فحضرت في إطار فيلم Les Misérables للمخرج فريديريك كافاييه، وظهرت في 19 سبتمبر على السجادة الحمراء إلى جانب المخرج وزملائها في البطولة، فينسنت ليندون وطاهر رحيم وبنيامين لافيرن، قبل مشاركتها في المؤتمر الصحافي الخاص بالفيلم.

ويقدم كافاييه معالجة جديدة لرواية فيكتور هوغو الشهيرة، متابعاً شخصية جان فالجان بعد خروجه من السجن ومحاولته بناء حياة جديدة، بينما تتقاطع حكايته مع الاضطرابات الاجتماعية والسياسية التي تشهدها فرنسا.

وتحمل مشاركة كوتان جانباً آخر من الحضور الفرنسي، إذ ارتبط اسمها بأعمال تجمع بين الكوميديا والدراما والسينما المؤلفة، إلى جانب حضورها الدولي الذي تعزز من خلال أعمال مثل Call My Agent! وغيرها. وفي سان سيباستيان، جاء ظهورها مرتبطاً مباشرة بفيلم ينافس في البرنامج الرئيسي، وليس بحضور منفصل عن المشهد السينمائي.

ومن خلال كوتيار وكوتان، تبدو السينما الفرنسية جزءاً أساسياً من المشهد الذي يتشكل في سان سيباستيان، حيث تلتقي الأسماء المعروفة عالمياً بالأعمال الجديدة والمنافسة الرسمية.

وجوه مختلفة… ومهرجان واحد

تكشف الأيام الأولى من مهرجان سان سيباستيان 2026 عن تركيبة لا تفصل النجومية عن السينما. فكل اسم بارز يصل إلى المدينة يأتي محمّلاً بفيلم جديد، أو بمسيرة تستحق الاحتفاء، أو بمشاركة في أحد أقسام المهرجان.

من تكريم فيرنر هيرتزوغ في الافتتاح، إلى جائزة نعومي واتس، مروراً بحضور بينيلوبي كروز ورامي مالك وماريون كوتيار وكاميل كوتان، تتشكل صورة دورة تجمع بين السينما الأوروبية والإنتاج الدولي، وبين الأسماء التي يعرفها الجمهور والأفلام التي تبحث عن مساحة جديدة أمام جمهور المهرجان.

وبينما تستمر فعاليات الدورة حتى 26 سبتمبر، يبقى المشهد مفتوحاً أمام مزيد من العروض والضيوف واللحظات التي ستحدد الصورة النهائية لهذه الدورة من أحد أبرز المهرجانات السينمائية الأوروبية.