رالي داكار 2027 يعود إلى جذوره الأفريقية… المغرب والبرتغال تستضيفان النسخة الـ49 بدلاً من السعودية

Featured Image: Pinterest

بعد سبع سنوات متتالية في المملكة العربية السعودية، يستعد رالي داكار لرحلة استثنائية تعيده إلى القارة الأفريقية، حيث بدأت واحدة من أشهر المغامرات في تاريخ رياضة المحركات. فقد أعلنت منظمة أماوري سبورت، الجهة المنظمة للسباق، الجمعة 30 أكتوبر 2026، أن النسخة التاسعة والأربعين من الرالي ستقام في البرتغال والمغرب، خلال الفترة الممتدة من 9 إلى 23 يناير 2027، بدلاً من السعودية التي استضافت الحدث منذ عام 2020. وجاء القرار بعد أيام من إعلان نقل السباق خارج المملكة نتيجة التطورات الأمنية في المنطقة، قبل أن يقع الاختيار على البرتغال لاستضافة الانطلاقة، والمغرب لاحتضان القسم الأكبر من المنافسات وخط النهاية في مدينة مراكش. وسيقطع المشاركون مسافة إجمالية تبلغ 7824 كيلومتراً، بينها 4341 كيلومتراً من المراحل الخاصة الخاضعة للتوقيت، في مسار يمتد من منطقة الغارف البرتغالية إلى الصحراء المغربية، مروراً بتضاريس متنوعة تجمع بين الجبال والمسارات الصخرية والكثبان الرملية. ولا يمثل هذا التحول مجرد تغيير جغرافي في روزنامة السباقات العالمية، بل يعيد داكار إلى جزء أساسي من هويته التاريخية، بعدما انطلق للمرة الأولى عام 1978 من باريس باتجاه العاصمة السنغالية داكار، قبل انتقاله إلى أميركا الجنوبية ثم السعودية. كما يضع المنظمين أمام تحدٍ لوجستي كبير يتمثل في إعداد سباق بهذا الحجم خلال فترة زمنية قصيرة، مع المحافظة على المعايير الرياضية التي جعلت داكار واحداً من أصعب اختبارات التحمل في العالم. 

مغادرة رالي داكار السعودية بعد سبع سنوات

لم يكن قرار نقل نسخة 2027 من السعودية جزءاً من خطة انتقال اعتيادية، بل جاء استجابة لظروف استثنائية مرتبطة بالتطورات الأمنية في المنطقة، والتي أثرت في إقامة عدد من الفعاليات الرياضية الدولية. وكانت منظمة أماوري سبورت وشركة رياضة المحركات السعودية قد أعلنتا في 25 أكتوبر قراراً مشتركاً بعدم إقامة النسخة المقبلة داخل المملكة، رغم الاستعدادات التي كانت جارية لتنظيمها خلال الفترة الممتدة من الأول إلى 15 يناير 2027. وأكد الطرفان أن القرار استثنائي ويقتصر على نسخة واحدة، وقد اتُّخذ بالتنسيق مع الاتحاد السعودي للسيارات والدراجات النارية، وبدعم من الاتحاد الدولي للسيارات والاتحاد الدولي للدراجات النارية. وجاء هذا التطور في ظل تصاعد التوترات الإقليمية والهجمات التي طالت منشآت داخل السعودية، ما دفع المنظمين إلى إعادة تقييم الظروف المرتبطة بإقامة سباق يتطلب تنقل مئات المشاركين وآلاف العاملين بين مناطق واسعة، مع توفير منظومة معقدة من الخدمات اللوجستية والطبية والأمنية. ولم يكن داكار الحدث الرياضي الوحيد المتأثر بهذه الظروف، إذ شهدت المنطقة تعديلات وإلغاءات وتأجيلات لفعاليات أخرى، بينها سباقات في رياضة المحركات وبطولات رياضية دولية. ومع ذلك، حرص المنظمون على التأكيد أن نقل السباق لا يعني نهاية الشراكة مع السعودية، بل يمثل إجراءً مؤقتاً، على أن تعود المنافسات إلى المملكة عام 2028 في مناسبة تحمل أهمية تاريخية خاصة، هي الاحتفال بالنسخة الخمسين من الرالي. 

رالي داكار 2027 يعود إلى القارة الأفريقية بعد غياب طويل، مع انتقال النسخة الـ49 من السعودية إلى البرتغال والمغرب، وانطلاق المنافسات في 9 يناير. مصدر الصورة: Pinterest

من البرتغال إلى مراكش… رحلة تعبر قارتين

تبدأ مغامرة داكار 2027 من منطقة الغارف في جنوب البرتغال، وتحديداً من مدينتي لولي وفارو، حيث ستقام المرحلة التمهيدية والمرحلة الخاصة الأولى، قبل انتقال القافلة إلى المغرب لاستكمال بقية المنافسات. وبحسب المسار الذي كشفه المنظمون، سيفتح مركز الخدمات أبوابه في 5 يناير، على أن تُجرى الفحوص الإدارية والتقنية بين 6 و8 يناير، تمهيداً لانطلاق المرحلة التمهيدية في 9 يناير، والمرحلة الخاصة الأولى في اليوم التالي. وسيحتضن ملعب الغارف، الذي يتسع لنحو 30 ألف متفرج، فعاليات انطلاق النسخة الجديدة، مستفيداً من الخبرة البرتغالية في تنظيم سباقات الراليات الصحراوية، خصوصاً بعدما أصبحت البلاد محطة بارزة في بطولة العالم للراليات الصحراوية خلال السنوات الأخيرة. وبعد انتهاء المرحلة البرتغالية، ستنتقل القافلة إلى ميناء المغادرة باتجاه المغرب، حيث تعبر البحر الأبيض المتوسط ليلاً وصولاً إلى ميناء الناظور، قبل متابعة الرحلة نحو أول مخيم للمشاركين في منطقة بوعرفة. ومن هناك، يبدأ القسم الأفريقي من السباق، الذي يشكل الجزء الأكبر والأكثر تنوعاً من المنافسات، إذ يتجه المشاركون جنوباً بمحاذاة جبال الأطلس، مروراً بزاكورة وصولاً إلى أكادير، حيث يحصل السائقون والفرق على يوم راحة. أما الأسبوع الثاني، فيحمل تحديات مختلفة، مع دخول القافلة إلى المناطق الصحراوية الجنوبية عبر السمارة وصولاً إلى مناطق قريبة من الداخلة، قبل العودة شمالاً بمحاذاة المحيط الأطلسي، وصولاً إلى مدينة مراكش التي تستضيف خط النهاية. ويضم المسار ستة مخيمات رئيسية، إلى جانب 12 مرحلة خاصة ومرحلة تمهيدية، ما يجعله اختباراً شاملاً لقدرات السائقين والملاحين والآليات المشاركة. 

7824  كيلومتراً من التحديات… ماذا ينتظر المتسابقين؟

رغم التغيير المفاجئ في مكان إقامة الرالي، يؤكد المنظمون أن نسخة 2027 ستحافظ على طبيعتها القاسية، من خلال مسار طويل يجمع بين السرعة والملاحة الدقيقة والقدرة على التحمل. وتبلغ المسافة الإجمالية للسباق 7824 كيلومتراً، بينها 4341 كيلومتراً من المراحل الخاصة، فيما يتراوح طول معظم هذه المراحل بين 350 و500 كيلومتر يومياً. ولا تقتصر صعوبة داكار على المسافات الطويلة، بل ترتبط بطبيعة التضاريس التي يواجهها المشاركون. ففي البرتغال، تتنوع المسارات بين الطرق الترابية والمناطق الجبلية، بينما يقدم المغرب تحديات أكثر تعقيداً، تشمل المساحات الصحراوية المفتوحة والكثبان الرملية والمسارات الصخرية. وتفرض هذه الظروف على السائقين اعتماد استراتيجيات دقيقة لإدارة السرعة والمحافظة على الآليات، إذ يمكن لعطل ميكانيكي أو خطأ ملاحي أن يؤدي إلى خسارة ساعات ثمينة، وربما إنهاء المشاركة بالكامل. كما يلعب الملاحون دوراً أساسياً في تحديد المسارات وتجنب الأخطاء، خصوصاً في المناطق الصحراوية التي تفتقر إلى المعالم الواضحة، حيث يصبح الاعتماد على أدوات الملاحة وقراءة التضاريس عاملاً حاسماً في تحديد النتائج. وفي المقابل، يتعين على الفرق التقنية التعامل مع تحديات الصيانة اليومية، وإصلاح الأعطال، وإدارة الإطارات والوقود وقطع الغيار، وسط برنامج متواصل لا يترك مجالاً كبيراً للراحة. وتزداد هذه التحديات أهمية مع انتقال السباق بين قارتين، ما يفرض ترتيبات إضافية لنقل المعدات والآليات وتأمين وصولها إلى المغرب في الوقت المحدد.

2.7824 كيلومتراً من المغامرة والتحدي تنتظر المشاركين في رالي داكار 2027، عبر مسارات تجمع بين جبال البرتغال وصحارى المغرب، وصولاً إلى خط النهاية في مراكش. مصدر الصورة: Pinterest

المغرب يعود إلى قلب داكار بعد غياب طويل

يحمل اختيار المغرب لاستضافة القسم الأكبر من رالي داكار 2027 دلالة تاريخية، إذ يعيد السباق إلى القارة الأفريقية للمرة الأولى منذ انتقاله منها بعد نسخة 2007. وكانت أفريقيا موطن داكار الأصلي، بعدما تأسس السباق عام 1978 بوصفه مغامرة تنطلق من العاصمة الفرنسية باريس، وتعبر الصحراء الكبرى وصولاً إلى العاصمة السنغالية داكار. وعلى امتداد العقود التالية، أصبح الرالي رمزاً للمغامرة والتحدي، مستقطباً سائقين محترفين وهواة يسعون إلى اختبار قدراتهم في بعض أصعب التضاريس الطبيعية. لكن المخاوف الأمنية أدت إلى إلغاء نسخة 2008، قبل انتقال الحدث إلى أميركا الجنوبية عام 2009، حيث استمر حتى 2019، ثم انتقل إلى السعودية عام 2020. واليوم، تعود المنافسات إلى أفريقيا عبر المغرب، الذي يمتلك خبرة طويلة في استضافة سباقات الراليات الصحراوية، وفي مقدمتها رالي المغرب، الذي يشكل محطة مهمة ضمن بطولة العالم للراليات الصحراوية. ويتميز المغرب بتنوع تضاريسه، من المناطق الجبلية إلى الصحارى الشاسعة، ما يمنحه قدرة على تقديم مسارات تجمع بين السرعة والتحديات التقنية والملاحية. كما أن استضافة السباق تتيح للمغرب إبراز مناطقه الطبيعية أمام جمهور عالمي، خصوصاً أن داكار يحظى بتغطية إعلامية واسعة تمتد إلى أكثر من 190 دولة. ولا تقتصر أهمية العودة على البعد الرياضي، بل تشمل أيضاً استعادة جانب من الهوية التاريخية للسباق، الذي ارتبط اسمه منذ تأسيسه بالمغامرة الأفريقية وعبور الصحارى. 

البرتغال بوابة الانطلاق الأوروبية

يمثل اختيار البرتغال لاستضافة بداية داكار 2027 اعترافاً بخبرتها المتنامية في تنظيم سباقات الراليات الصحراوية، بعدما أصبحت منطقة الغارف محطة معروفة في روزنامة بطولة العالم. وخلال المواسم الأخيرة، استضافت البرتغال منافسات ضمن بطولة العالم للراليات الصحراوية، بإشراف نادي السيارات البرتغالي، ما ساهم في تطوير الخبرات التنظيمية والتقنية اللازمة لاستقبال الفرق الدولية. وتمنح منطقة الغارف السباق انطلاقة أوروبية مختلفة عن النسخ السابقة، خصوصاً أن طبيعتها الجغرافية تتيح تنظيم مراحل تجمع بين السرعة والمقاطع التقنية. كما يوفر ملعب الغارف بنية تحتية مناسبة لاستقبال الفرق والجماهير ووسائل الإعلام، بما يساعد على تنظيم انطلاقة الحدث قبل انتقال القافلة إلى أفريقيا. وتكتسب هذه الشراكة أهمية إضافية بالنظر إلى الوقت المحدود الذي امتلكه المنظمون لإعادة تصميم المسار، إذ إن الاعتماد على دولتين تتمتعان بخبرة سابقة في الراليات الصحراوية يقلل من حجم التحديات المرتبطة بالتجهيزات الأساسية. وبذلك، لا تؤدي البرتغال دور محطة افتتاحية فحسب، بل تشكل جزءاً من الحل التنظيمي الذي سمح باستمرار إقامة النسخة التاسعة والأربعين رغم الظروف الاستثنائية.

السعودية تستعد لنسخة تاريخية عام 2028

على الرغم من غياب السعودية عن استضافة نسخة 2027، فإن المنظمين أكدوا أن المملكة ستعود إلى روزنامة داكار عام 2028، عندما يحتفل الرالي بنسخته الخمسين. وتحمل هذه العودة أهمية خاصة، إذ ستكون مناسبة للاحتفال بمحطة بارزة في تاريخ السباق، الذي انطلق قبل نحو نصف قرن وتحول إلى واحد من أشهر الأحداث الرياضية العالمية. ومنذ استضافة السعودية النسخة الأولى على أراضيها عام 2020، شهد داكار مرحلة جديدة من تاريخه، مع مسارات امتدت عبر الصحارى والكثبان الرملية والمناطق الجبلية والساحلية. وساهمت النسخ السعودية السبع المتتالية في ترسيخ حضور المملكة ضمن رياضة الراليات الصحراوية، إلى جانب تطوير شراكات طويلة الأمد مع الجهات المنظمة والاتحادات الرياضية الدولية. وأكدت منظمة أماوري سبورت وشركة رياضة المحركات السعودية استمرار تعاونهما من أجل التحضير لنسخة 2028، بما يعكس التزام الطرفين بالمحافظة على الشراكة رغم الظروف التي فرضت نقل السباق بصورة مؤقتة. ومن المتوقع أن تحظى النسخة الخمسون باهتمام خاص، نظراً إلى رمزيتها التاريخية، وإمكانية أن تشهد فعاليات احتفالية وبرامج إضافية تواكب مرور نصف قرن على انطلاق الرالي. وهكذا، تبدو نسخة 2027 محطة انتقالية استثنائية، تسبق عودة مخططة إلى السعودية في العام التالي، من دون أن تشكل تغييراً دائماً في العلاقة بين المملكة والمنظمين. 

داكار 2027… عودة إلى الماضي بروح جديدة

منذ انطلاقه أواخر سبعينيات القرن الماضي، ارتبط رالي داكار بفكرة المغامرة التي تتجاوز حدود السباقات التقليدية. فهو ليس مجرد منافسة على السرعة، بل اختبار طويل لقدرة الإنسان والآلة على مواجهة الطبيعة والتعامل مع المجهول. وخلال تاريخه، انتقل الحدث بين قارات مختلفة، وتغيرت مساراته وظروفه، لكنه حافظ على عناصر أساسية جعلته مختلفاً عن بقية سباقات المحركات: المسافات الطويلة، والتضاريس القاسية، وأهمية الملاحة، والقدرة على الاستمرار رغم الأعطال والصعوبات. وتعيد نسخة 2027 هذه الروح إلى الواجهة، بعدما اختار المنظمون مساراً يبدأ من أوروبا وينتهي في أفريقيا، في استعادة رمزية للرحلات العابرة للقارات التي ميزت النسخ الأولى. لكن العودة إلى الجذور لا تعني تكرار الماضي، إذ ستقام المنافسات وفق المعايير التقنية والتنظيمية الحديثة، مع مشاركة مركبات متطورة وأنظمة ملاحة متقدمة وبرامج تهدف إلى اختبار تقنيات جديدة في عالم المحركات. وفي الوقت نفسه، تمنح النسخة الجديدة المغرب فرصة لتقديم صحرائه وتنوعه الجغرافي أمام جمهور عالمي، فيما تستفيد البرتغال من استضافة انطلاقة حدث يحظى بمكانة استثنائية في رياضة السيارات. وبين التحولات الجغرافية والتحديات الأمنية والتنظيمية، يثبت رالي داكار مجدداً قدرته على التكيف مع الظروف، والمحافظة على استمراريته رغم التغييرات المفاجئة. وفي يناير 2027، عندما تنطلق المحركات من جنوب البرتغال باتجاه صحراء المغرب، لن يكون المتسابقون أمام مجرد نسخة جديدة من رالي داكار، بل أمام رحلة تعيد وصل الحاضر بالماضي، وتفتح فصلاً مختلفاً في تاريخ السباق. فمن الغارف إلى مراكش، وعلى امتداد آلاف الكيلومترات، ستبقى المغامرة هي العنوان الأبرز، فيما تستعد السعودية لاستعادة الحدث عام 2028 في احتفال تاريخي بالنسخة الخمسين من أحد أصعب وأشهر سباقات العالم.