Featured Image: Pinterest
في خضم واحدة من أكثر الفترات حساسية في مسيرة جياني إنفانتينو على رأس الاتحاد الدولي لكرة القدم، يطرح رئيس “فيفا” مشروعاً جديداً يسعى من خلاله إلى إعادة تعريف مفهوم البطولات العالمية، عبر إطلاق كأس العالم تحت 15 عاماً بمشاركة جميع الاتحادات الوطنية الـ211 الأعضاء في الاتحاد الدولي. وبينما يقدّم إنفانتينو البطولة باعتبارها “مهرجاناً للأطفال” وفرصة لتوسيع قاعدة ممارسة كرة القدم عالمياً، تأتي الفكرة في توقيت بالغ التعقيد، بعدما واجه مشروعه السابق المتعلق بخصخصة كأس العالم للكبار رفضاً واسعاً، وتزايدت الانتقادات الموجهة إلى إدارته، وسط حديث عن مستقبل رئاسته للاتحاد الدولي. فماذا يريد إنفانتينو من كأس العالم الجديدة؟ ولماذا اختار فئة تحت 15 عاماً تحديداً؟ وهل تمثل البطولة مشروعاً لتطوير كرة القدم العالمية أم محاولة لإعادة بناء صورته السياسية داخل “فيفا”؟
View this post on Instagram
كأس العالم تحت 15 عاماً.. مشروع جديد يضم 211 اتحاداً
كشف إنفانتينو عن تنظيم النسخة الأولى من كأس العالم تحت 15 عاماً خلال العام الحالي، مع دعوة جميع الاتحادات الوطنية الـ211 الأعضاء في “فيفا” للمشاركة. وبحسب التصريحات التي نقلتها وسائل إعلام دولية، من المقرر أن تستضيف أذربيجان البطولة في أكتوبر المقبل، على أن تتحول المنافسة إلى حدث واسع يتجاوز النموذج التقليدي للبطولات العالمية التي تقتصر المشاركة فيها على عدد محدود من المنتخبات. الفكرة الأساسية التي يطرحها إنفانتينو تقوم على إشراك آلاف الأطفال في حدث كروي واحد، إذ يتوقع أن يشارك أكثر من 4 آلاف طفل في البطولة، التي يصفها رئيس “فيفا” بأنها “مهرجان للأطفال”. ويقول إنفانتينو إن قادة كرة القدم يتحدثون كثيراً، فيما ينبغي ترك اللعبة نفسها تتحدث، في إشارة إلى رغبته في تحويل النقاش من الصراعات الإدارية والسياسية إلى مشاريع ميدانية مرتبطة بتطوير اللعبة.
لماذا يريد إنفانتينو جعل كرة القدم “عالمية بالكامل”؟
لا ينفصل مشروع كأس العالم تحت 15 عاماً عن واحدة من أبرز الأفكار التي يكررها إنفانتينو منذ توليه قيادة “فيفا”: توسيع قاعدة كرة القدم وتقليص الفجوة بين الدول الكبرى وبقية العالم. ويرى رئيس الاتحاد الدولي أن هيمنة القوى التقليدية على المشهد الكروي لا ينبغي أن تمنع الدول الأخرى من الحصول على فرص أكبر للتطور والاستثمار والمنافسة. وفي تصريحات خلال اجتماع مع ممثلين عن اتحاد الكاريبي لكرة القدم، شدد إنفانتينو على ضرورة تقليص الفجوة بين الدول الكبرى وبقية الاتحادات، معتبراً أن تطوير كرة القدم لا يجب أن يبقى حكراً على البلدان صاحبة التاريخ الكروي الأكبر. لكن هذه الرؤية تضع “فيفا” أمام سؤال أكثر تعقيداً: هل يمكن لمزيد من البطولات والفرص الدولية أن يحقق بالفعل توزيعاً أكثر عدلاً للموارد، أم أن توسع روزنامة كرة القدم سيضيف أعباء جديدة على اللاعبين والاتحادات؟
View this post on Instagram
أكثر من 4 آلاف طفل.. هل نحن أمام نموذج جديد للبطولات العالمية؟
اللافت في المشروع الجديد ليس فقط الفئة العمرية المستهدفة، وإنما حجم المشاركة المقترحة. فبدلاً من إقامة بطولة تقليدية تضم عدداً محدوداً من المنتخبات، يريد إنفانتينو إنشاء مساحة كروية عالمية تسمح لأطفال من مختلف الاتحادات الأعضاء بالمشاركة في الحدث نفسه. وهذا النموذج يحمل بعداً تطويرياً واضحاً، إذ يمكن أن يمنح لاعبين من دول لا تصل عادة إلى البطولات العالمية الكبرى فرصة الاحتكاك بمواهب من مدارس كروية مختلفة. كما أن توسيع المشاركة في هذه المرحلة العمرية قد يساعد “فيفا” على اكتشاف المواهب في مناطق لا تحظى عادة بالاهتمام الإعلامي والاستثماري نفسه الذي تحصل عليه أوروبا وأميركا الجنوبية. لكن نجاح المشروع لن يقاس بعدد المشاركين فقط، بل بقدرته على خلق إرث مستدام لتطوير الناشئين، من خلال البنية التحتية والتدريب والتعليم والاستثمار في الأكاديميات المحلية.
من كأس العالم للكبار إلى كأس العالم للناشئين.. ماذا حدث لمشروع الخصخصة؟
يأتي المشروع الجديد بعد أسابيع قليلة من واحدة من أكثر أفكار إنفانتينو إثارة للجدل. ففي بداية أغسطس، كان رئيس “فيفا” قد دفع باتجاه إنشاء شركة تجارية مفتوحة أمام المستثمرين من القطاع الخاص، بهدف تطوير وتسويق بعض الأنشطة المرتبطة بكأس العالم للكبار. الفكرة واجهت رفضاً واسعاً، قبل أن يتراجع إنفانتينو عن المشروع وسط موجة من الانتقادات. وكانت هذه القضية نقطة تحول في العلاقة بين رئيس “فيفا” وعدد من الجهات الكروية، إذ تحولت النقاشات من مجرد خلافات حول إدارة البطولات إلى تساؤلات أوسع بشأن مستقبل الاتحاد الدولي، ونموذج إدارته، وحدود نفوذ رئيسه. وفي هذا السياق، يمكن قراءة الإعلان عن كأس العالم تحت 15 عاماً باعتباره مشروعاً مختلفاً في الشكل، لكنه يحمل في الوقت نفسه هدفاً استراتيجياً يتمثل في إبراز الجانب التنموي والعالمي لسياسات إنفانتينو.
View this post on Instagram
انتقادات متزايدة.. وإنفانتينو يواجه مرحلة سياسية صعبة
لا يأتي الإعلان عن البطولة الجديدة في فراغ. فخلال الأسابيع الماضية، تصاعدت الانتقادات الموجهة إلى إنفانتينو، وظهرت دعوات من جهات كروية مختلفة تطالب برحيله، فيما دخلت العلاقة بين “فيفا” وبعض الاتحادات القارية والمحلية مرحلة أكثر توتراً. وتحول رئيس الاتحاد الدولي إلى محور نقاش حول مستقبل كرة القدم العالمية، في وقت تطرح فيه أسماء لخلافته قبل الانتخابات المقبلة لرئاسة “فيفا”. ورغم ذلك، يصر إنفانتينو على أن القرارات المتعلقة بمستقبل المنظمة ستُتخذ وفق القوانين واللوائح المعتمدة، وبطريقة ديمقراطية من خلال الاتحادات الأعضاء والمجلس والهيئات المختصة. وهذا الموقف يعكس محاولة واضحة لتأكيد أن منصب رئيس “فيفا” لا يُحسم عبر الضغوط الإعلامية أو السياسية، بل من خلال الآليات الانتخابية الرسمية.
ألكسندر تشيفرين في الواجهة.. معارضة لإنفانتينو بلا ترشح ضده
واحدة من أبرز المفارقات في المشهد الحالي تتمثل في موقف رئيس الاتحاد الأوروبي لكرة القدم ألكسندر تشيفرين. فـ”يويفا” يُعد من أبرز الأصوات المعارضة لعدد من توجهات إنفانتينو، وقد تصاعد الخلاف بين الطرفين في الفترة الأخيرة، خصوصاً على خلفية المشاريع التجارية والتغييرات المقترحة في منظومة كرة القدم العالمية. ومع ذلك، أكد تشيفرين أنه لن يترشح ضد إنفانتينو في انتخابات رئاسة “فيفا”. وهذه المعادلة تترك الباب مفتوحاً أمام رئيس الاتحاد الدولي لمواصلة حملته السياسية داخل المنظمة، في وقت يبقى فيه إنفانتينو المرشح الوحيد المعلن حتى الآن للانتخابات المقررة في مارس المقبل، وفق المعطيات الواردة في التقارير الأخيرة.
View this post on Instagram
تهديد بمقاطعة بطولات “فيفا”.. أزمة تتجاوز شخص إنفانتينو
الأزمة لا تقتصر على الخلاف حول شخص رئيس “فيفا”، بل تمتد إلى نموذج إدارة كرة القدم الدولية نفسه. فقد أعلن “يويفا” في وقت سابق تهديده بمقاطعة مسابقات الاتحاد الدولي، بما فيها كأس العالم، في حال استمرار بعض المشاريع التي اعتبرها الأوروبيون تهديداً لتوازن اللعبة. ومع تراجع إنفانتينو عن مشروع خصخصة كأس العالم للكبار، لم تختفِ التوترات بالكامل، ما يعكس أن الخلافات الحالية أعمق من مشروع واحد. السؤال المطروح هو ما إذا كان بإمكان إنفانتينو إعادة بناء جسور الثقة مع الاتحادات القارية الكبرى، وفي مقدمتها “يويفا”، أم أن كرة القدم العالمية تتجه نحو مرحلة جديدة من الاستقطاب بين مراكز القوى.
مشروع للأطفال أم رسالة سياسية؟
من الناحية الرياضية، يمكن النظر إلى كأس العالم تحت 15 عاماً باعتبارها تجربة تستحق الاهتمام، خصوصاً إذا نجحت في توفير فرص متساوية للأطفال من مختلف أنحاء العالم. لكن توقيت الإعلان يمنح المشروع بعداً سياسياً لا يمكن تجاهله. فإنفانتينو يواجه انتقادات متصاعدة، ومشاريع مثيرة للجدل، ونقاشاً حول مستقبله، وفي المقابل يطرح بطولة تحمل في عنوانها ومضمونها واحدة من أهم شعاراته: كرة القدم للجميع. ومن هنا، يصبح نجاح البطولة مرتبطاً بأكثر من النتائج داخل الملعب. فإذا تحولت إلى منصة حقيقية لاكتشاف المواهب وتطوير الاتحادات الأقل قوة، فقد تصبح إحدى أبرز أدوات إنفانتينو لترسيخ إرثه في “فيفا”. أما إذا بقيت مجرد حدث ضخم يضم آلاف الأطفال من دون أثر طويل الأمد، فقد تُقرأ باعتبارها إضافة جديدة إلى روزنامة كرة القدم المزدحمة.
هل ينجح إنفانتينو في تغيير خريطة كرة القدم العالمية؟
مشروع كأس العالم تحت 15 عاماً يضع إنفانتينو أمام اختبار جديد. الرجل الذي وسّع كأس العالم للكبار إلى 48 منتخباً، ودفع باتجاه إعادة رسم شكل البطولات الدولية، يحاول الآن الذهاب أبعد من ذلك عبر توسيع مفهوم “كأس العالم” ليشمل آلاف الأطفال من مختلف الاتحادات. لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في تنظيم البطولة، بل في الإجابة عن السؤال الأهم: هل تستطيع كرة القدم العالمية أن تصبح أكثر شمولاً من دون أن تصبح أكثر ازدحاماً وصراعاً على النفوذ؟ وبينما يستعد “فيفا” لانتخابات رئاسية جديدة في مارس المقبل، يبدو أن إنفانتينو اختار الرد على منتقديه بالطريقة التي يعرفها جيداً: مشروع عالمي جديد، ومزيد من كرة القدم، ورسالة واضحة بأن معركته من أجل “عولمة اللعبة” لم تنتهِ بعد.