Featured Image: Getty
انتهت الرحلة كما ربما أرادها ليونيل ميسي، أمام عشرات الآلاف من الجماهير الأرجنتينية، على ملعب مونومنتال في بوينوس آيرس، وبهدف أخير يحمل توقيعه. فبعد 21 عاماً من ظهوره الأول بقميص ألبيسيليستي، خاض ميسي مباراته الدولية الأخيرة أمام بنين، ليغادر المنتخب بعدما تحوّل من موهبة شابة تحمل آمال بلد بأكمله إلى قائد أعاد كأس العالم إلى الأرجنتين وترك خلفه أرقاماً يصعب الاقتراب منها. لم تكن المباراة الودية أمام بنين مجرد مواجهة أخرى في سجل المنتخب الأرجنتيني. فمنذ لحظة دخول ميسي إلى أرض الملعب، كانت التفاصيل كلها تشير إلى أن كرة القدم الأرجنتينية تعيش نهاية حقبة. الدموع حضرت خلال عزف النشيد الوطني، والجماهير ملأت مدرجات مونومنتال لتوديع قائدها، فيما توقفت المباراة في الدقيقة العاشرة ليصفق الحاضرون لميسي، في تحية رمزية للرقم الذي ارتبط باسمه طوال سنوات المجد. وفي النهاية، حققت الأرجنتين الفوز بثلاثة أهداف من دون رد، افتتحها نيكولاس أوتامندي في الدقيقة 48، وأضاف نيكو باز الهدف الثاني في الدقيقة 61، قبل أن تأتي اللحظة التي انتظرها الجمهورعندما سجل ميسي من ركلة جزاء في الدقيقة 70. هدف أخير، في مباراة أخيرة، بقميص ارتداه طوال أكثر من عقدين.
رسالة وداع لجماهير الأرجنتين
وجّه النجم ليونيل ميسي رسالة وداع إلى جماهير المنتخب الأرجنتيني قبل مباراته الأخيرة بقميص التانغو، مستعيداً سنوات طويلة قضاها مع المنتخب، قبل أن يختتم رسالته بكلمات مؤثرة. وقال ميسي، في مقطع مصور نشرته شركة أديداس: “لقد حان الوقت. أرحل وأنا أشعر بالسلام، فقد قدّمتُ كل ما لديّ. كان هذا القميص حلمي وفخري وحياتي لسنوات. شكرا لأنكم أحببتموني كثيرا، وشكرا على دعمكم. سأحملكم معي دائما”.
مباراة ميسي الأخيرة مع الأرجنتين الحدث الذي تابعه الملايين حول العالم
دخل المنتخب الأرجنتيني مواجهة بنين وسط أجواء عاطفية استثنائية، بعدما اختار المدرب ليونيل سكالوني استدعاء قائده للمرة الأخيرة ومنحه فرصة توديع الجماهير في بلاده. ولم تكن النتيجة هي الحدث الأهم. فقد بقي التعادل السلبي مسيطراً على الشوط الأول، رغم محاولة مبكرة لميسي في الدقيقة السابعة أبعدها حارس بنين. أما اللحظة الأكثر رمزية فجاءت في الدقيقة العاشرة، عندما توقفت المباراة وسط تصفيق الجماهير والحاضرين تكريماً لصاحب القميص رقم 10. وتغير المشهد في الشوط الثاني. سجل أوتامندي هدف التقدم، ثم عزز باز النتيجة، قبل أن يحصل المنتخب الأرجنتيني على ركلة جزاء في الدقيقة 70. تقدم ميسي ونفذها بنجاح، ليسجل الهدف الثالث للأرجنتين، والأخير له بقميص المنتخب، قبل أن تنتهي المباراة 3-0 وتُطوى رسمياً صفحة امتدت 21 عاماً.
من 2005 إلى 2026… رحلة بدأت قبل أكثر من عقدين
بدأت مسيرة ليونيل ميسي الدولية مع المنتخب الأول عام 2005. ومنذ ذلك الوقت، تحولت علاقته مع الأرجنتين إلى واحدة من أكثر القصص تعقيداً في كرة القدم الحديثة. عاش سنوات من المقارنات مع دييغو أرماندو مارادونا، وواجه انتقادات بسبب تأخره في تحقيق بطولة كبرى مع المنتخب الأول، وخسر نهائيات مؤلمة، قبل أن تتغير القصة بالكامل في السنوات الأخيرة من مسيرته. وبمرور الوقت، لم يعد ميسي مجرد النجم الأبرز في الفريق، بل أصبح قائده والاسم الذي بُني حوله جيل نجح في إعادة الأرجنتين إلى قمة كرة القدم العالمية. وفي مباراته الأخيرة أمام بنين، وصل رصيده إلى 208 مباريات دولية، ليغادر بوصفه اللاعب الأكثر مشاركة في تاريخ المنتخب الأرجنتيني.

من دموع النهائيات إلى قمة العالم
لم يكن الطريق إلى المجد سهلاً. خسر ميسي مع الأرجنتين نهائي كأس العالم 2014 أمام ألمانيا، ثم عاش خيبة أخرى أمام تشيلي في نهائي كوبا أميركا 2016، وهي الهزيمة التي دفعته حينها إلى إعلان اعتزاله الدولي للمرة الأولى. لكنه تراجع عن القرار وعاد إلى المنتخب. وكانت العودة بداية الطريق نحو المرحلة التي غيرت صورته الدولية بالكامل. ففي 2021، توّجت الأرجنتين بكوبا أميركا، قبل أن يصل ميسي إلى اللحظة التي انتظرها طويلاً في قطر عام 2022 عندما قاد منتخب بلاده إلى لقب كأس العالم، منهياً انتظاراً أرجنتينياً دام 36 عاماً. وأضاف المنتخب كوبا أميركا 2024 إلى رصيده، بعدما كان قد أحرز أيضاً فيناليسيما 2022. أما كأس العالم 2026، فكانت المحطة العالمية الأخيرة لميسي. وبلغت الأرجنتين النهائي مجدداً، لكنه انتهى هذه المرة بالخسارة أمام إسبانيا 0-1 في نيويورك.
خلفيات قرار ميسي الاعتزال الدولي
بعد أسابيع من نهائي كأس العالم 2026، أعلن ميسي في نهاية أغسطس قراره إنهاء مسيرته الدولية عن 39 عاماً. وجاء القرار في مرحلة شخصية ورياضية صعبة، خصوصاً بعد وفاة والده خورخي عن 68 عاماً، وبعد مسيرة امتدت أكثر من عقدين تحت ضغط المنافسة والتوقعات المستمرة. وأبقى المدرب الأرجنتيني سكالوني الباب مفتوحاً أمام قائده، وأبلغه بإمكانية التراجع عن قرار الاعتزال إذا أراد، إلا أن المؤشرات كانت تتجه نحو نهاية فعلية لمسيرته مع المنتخب. وكانت مباراة بنين الفرصة الأخيرة ليودع ميسي الجماهير الأرجنتينية على أرضها، بدلاً من أن تكون خسارة نهائي كأس العالم المشهد الأخير له بقميص بلاده.
أرقام ميسي مع الأرجنتين… إرث يصعب الاقتراب منه
لا تختصر الألقاب وحدها حجم ما تركه ميسي في المنتخب. أنهى مسيرته الدولية بعدما رفع عدد مشاركاته إلى 208 مباريات، وهو الرقم الأعلى في تاريخ الأرجنتين، بفارق كبير عن خافيير ماسكيرانو، الذي خاض 147 مباراة، وأنخيل دي ماريا صاحب 145 مباراة. كما دخل مباراة بنين وفي رصيده 125 هدفاً، قبل أن يضيف هدفاً من ركلة جزاء في ظهوره الأخير. ويمتلك ميسي أيضاً الرقم القياسي لعدد المباريات التي خاضها لاعب أرجنتيني في كأس العالم، بعدما شارك في 34 مباراة، إضافة إلى كونه الهداف التاريخي للأرجنتين في المونديال. وعلى مستوى تصفيات أميركا الجنوبية المؤهلة إلى كأس العالم، تقاسم ميسي مع الأوروغوياني لويس سواريز الرقم القياسي برصيد 31 هدفاً لكل منهما. إنها أرقام تجعل خلافة ميسي أبعد بكثير من مجرد العثور على لاعب جديد يرتدي الرقم 10.

من سيرتدي القميص رقم 10 بعد ميسي؟
قد يكون هذا السؤال الأكثر رمزية في اليوم التالي للاعتزال. فالقميص رقم 10 في الأرجنتين لم يكن رقماً عادياً حتى قبل ميسي. حمله مارادونا وتحول معه إلى جزء من الهوية الكروية للبلاد، ثم انتقل الإرث إلى ميسي الذي منحه فصلاً جديداً امتد لأكثر من عقدين. وقبل المباراة الأخيرة، رفض سكالوني حسم هوية اللاعب الذي سيرث الرقم، مؤكداً أنه لن يُمنح إلى أي لاعب قبل انتهاء مباراة ميسي. لكن السؤال الحقيقي ليس من سيرتدي القميص، بل كيف ستتعامل الأرجنتين مع مرحلة لم يعد فيها ميسي موجوداً على أرض الملعب.
الأرجنتين بعد ميسي… من سيملأ الفراغ؟
يترك الاعتزال الدولي فراغاً فنياً وقيادياً كبيراً، لكن المنتخب الأرجنتيني لا يبدأ من الصفر. فجيل كأس العالم يضم أسماء قادرة على قيادة المرحلة المقبلة، بينها كريستيان روميرو وأليكسيس ماك أليستر وإنزو فرنانديز وخوليان ألفاريز ولاوتارو مارتينيز. ومن المنتظر انتقال شارة القيادة إلى روميرو، فيما سيكون على سكالوني إعادة توزيع الأدوار الهجومية والقيادية التي تمحورت لسنوات حول ميسي. وفي الوقت نفسه، بدأت أسماء أصغر سناً في الظهور، بينها فرانكو ماستانتونو وجانلوكا بريستياني، إلى جانب نيكو باز الذي سجل في مباراة الوداع أمام بنين. وهنا يكمن التحدي الحقيقي: الأرجنتين ليست مطالبة بالعثور على ميسي جديد، بقدر ما تحتاج إلى بناء منتخب يستطيع النجاح من دون الاعتماد على لاعب واحد مهما بلغت موهبته.
نهاية مسيرة ميسي في كرة القدم
الاعتزال الدولي لا يعني حتى الآن نهاية مسيرة ميسي لاعباً. فهو لا يزال مرتبطاً بإنتر ميامي بعقد يمتد حتى نهاية موسم 2028، مع عدم وجود مؤشرات حالياً إلى نهاية وشيكة لمسيرته على مستوى الأندية. لكن ملامح حياته بعد الملاعب بدأت تتشكل أيضاً. فميسي يريد البقاء قريباً من كرة القدم، وقد أبدى اهتماماً بأدوار مثل الإدارة الرياضية وملكية الأندية أكثر من العمل مدرباً. ويفضل ميسي موقع المالك الذي يستطيع من خلاله رسم الاتجاه العام والمشاركة في القرارات، بعيداً من الضغوط اليومية التي يعيشها المدرب.
View this post on Instagram
من لاعب إلى مالك… ميسي يبني مستقبله الكروي
بدأ هذا التحول بالفعل. ففي إسبانيا، دخل ميسي عالم ملكية الأندية من خلال مشاريع تشمل أونيوني إسبورتيفا كورنيّا، قبل الخطوة الأكبر مع نادي سي دي إلدينسي، فيما تشير خططه إلى رغبته في العمل من خلال أشخاص يثق بهم مع الاحتفاظ بدور مباشر في متابعة المشروع واتخاذ القرارات. كما أطلق مع صديقه لويس سواريز مشروع نادي ديبورتيفو إل إس إم في أوروغواي، في وقت يحظى فيه تطوير المواهب والناشئين باهتمام واضح لديه. وبالتالي، قد تنتهي قصة ميسي لاعباً دولياً، لكن علاقته بكرة القدم تبدو بعيدة عن نهايتها.
من الملعب إلى عالم الأعمال
بالتوازي مع مشاريعه الكروية، توسعت استثمارات ميسي خارج الرياضة. وتشمل محفظته قطاعات الفنادق والعقارات والمطاعم والشراكات التجارية، إلى جانب علاقته الطويلة مع أديداس. كما يمتلك مشروع MiM Hotels، الذي يضم ستة فنادق بوتيك، فضلاً عن استثمارات عقارية في مسقط رأسه روساريو. لكن اللافت أن ميسي نفسه لا يقدم ذاته بوصفه رجل أعمال خبيراً. فقد قال في حديث سابق إنه مهتم بعالم الأعمال ويرغب في مواصلة التعلم، معتبراً نفسه لا يزال في بداية الطريق.
الرقصة الأخيرة… لكن القصة لم تنتهِ
عندما ظهر ليونيل ميسي للمرة الأولى مع الأرجنتين عام 2005، لم يكن أحد يعرف إلى أين ستصل الرحلة. مرّت السنوات بين خسارات قاسية وانتقادات واعتزال أول لم يدم، ثم جاءت الألقاب تباعاً حتى رفع الكأس التي كانت تنقص مسيرته في قطر 2022. وفي مونومنتال، بعد 21 عاماً، اكتملت الدائرة. وقف الجمهور وصفق في الدقيقة العاشرة. بكى ميسي خلال النشيد. ثم عاد وفعل ما اعتاد القيام به طوال مسيرته: وضع الكرة في الشباك. انتهت المباراة 3-0، وانتهت معها مسيرة دولية يصعب اختصارها بالأهداف والأرقام والكؤوس وحدها. من سيرتدي الرقم 10؟ ومن سيحمل شارة القيادة؟ وكيف ستلعب الأرجنتين من دون ميسي؟ أسئلة ستبدأ الإجابة عنها اعتباراً من المباراة المقبلة. أما ميسي، فيغادر المنتخب بعدما ترك إرثاً لا يحتاج إلى وريث يشبهه، لأن حقبة امتدت 21 عاماً لا يمكن تكرارها بمجرد منح القميص نفسه إلى لاعب آخر. الرقصة الأخيرة انتهت… لكن أثر ميسي في الأرجنتين سيبقى أطول بكثير من صافرة الوداع.