في واحدة من أكثر الليالي صدمة في تاريخ الكرة الأوروبية، تأكد غياب منتخب إيطاليا عن نهائيات كأس العالم 2026 للمرة الثالثة تواليًا، بعد خسارته الدرامية أمام منتخب البوسنة والهرسك بركلات الترجيح، في نتيجة تعكس أزمة أعمق من مجرد مباراة.
بداية واعدة ونهاية قاسية
دخل المنتخب الإيطالي المواجهة بثقة واضحة، ونجح في التقدم مبكرًا عبر مويس كين في الدقيقة 15، ليمنح الأتزوري أفضلية نفسية وتكتيكية. لكن هذه الأفضلية لم تصمد حتى النهاية، إذ عاد المنتخب البوسني في الشوط الثاني بهدف التعادل عن طريق هاريس تاباكوفيتش في الدقيقة 79، مستفيدًا من تراجع الأداء الإيطالي. استمرت المباراة إلى الأشواط الإضافية دون تغيير في النتيجة، قبل أن تُحسم عبر ركلات الترجيح، حيث انهار المنتخب الإيطالي بإهدار محاولات حاسمة، ليمنح منافسه بطاقة التأهل المستحقة.
ركلات الترجيح: عنوان الانهيار
في اللحظة التي تتطلب أقصى درجات التركيز، فشل لاعبو إيطاليا في التعامل مع ضغط ركلات الترجيح، حيث أضاع كل من بيو إسبوزيتو وبراين كريستانتي محاولتيهما، في مشهد جسّد هشاشة ذهنية واضحة، مقابل ثبات وثقة من لاعبي البوسنة.

نقطة التحول: طرد أربك الحسابات
شكّلت البطاقة الحمراء التي تعرض لها أليساندرو باستوني لحظة مفصلية في اللقاء، إذ اضطر المنتخب الإيطالي لإكمال المباراة بعشرة لاعبين، ما أجبره على التراجع وفقدان السيطرة على مجريات اللعب، وفتح الباب أمام عودة البوسنة تدريجيًا.
لماذا فشلت إيطاليا؟ أزمة تتجاوز الملعب
لم يكن هذا الإقصاء مجرد خسارة عابرة، بل نتيجة تراكمات واضحة. عانت إيطاليا من غياب المهاجم الحاسم القادر على استغلال الفرص، وهي مشكلة مزمنة منذ سنوات. كما ظهر التأثير الكبير للضغط النفسي على اللاعبين، خاصة في ظل إرث الغياب عن نسختي 2018 و2022. على المستوى التكتيكي، بدت قرارات الجهاز الفني بقيادة جينارو غاتوزو غير حاسمة، سواء في إدارة المباراة أو اختيار منفذي ركلات الترجيح، إلى جانب غياب الفاعلية في الكرات الثابتة والهجمات المرتدة.
تراجع المواهب: مؤشرات مقلقة
في المقابل، ظهر منتخب البوسنة أكثر تنظيمًا وقدرة على استغلال نقاط ضعف منافسه، في وقت عجز فيه المنتخب الإيطالي عن فرض هويته. هذا التباين يعكس تراجعًا ملحوظًا في جودة المواهب الإيطالية مقارنة بالأجيال السابقة، التي كانت تزخر بأسماء قادرة على حسم المباريات الكبرى.
أزمة ممتدة منذ 2006
منذ التتويج التاريخي في كأس العالم 2006، لم يتمكن المنتخب الإيطالي من استعادة استقراره أو الحفاظ على مكانته بين كبار اللعبة. الغياب عن ثلاث نسخ متتالية يضع الكرة الإيطالية أمام واقع صعب، ويطرح تساؤلات جدية حول منظومة التكوين والتخطيط.
البوسنة تكتب التاريخ
على الجانب الآخر، يحتفل منتخب البوسنة والهرسك بإنجاز كبير، بعد تأهله إلى المونديال حيث سيلعب ضمن مجموعة تضم كندا وقطر وسويسرا، في فرصة لإثبات حضوره على الساحة العالمية.
لحظة مفصلية وإعادة بناء مطلوبة
ما حدث لا يمكن اعتباره مجرد إخفاق عابر، بل هو إنذار واضح بأن الكرة الإيطالية بحاجة إلى مراجعة شاملة، تبدأ من تطوير المواهب، ولا تنتهي عند إعادة صياغة الهوية الفنية للمنتخب. إيطاليا، بتاريخها العريق، تقف اليوم أمام مفترق طرق، فإما إعادة البناء والعودة إلى القمة، أو الاستمرار في دوامة الغياب التي لم تعد مجرد صدفة.