الليدو في السينما: جولة بين أشهر مواقع التصوير في جزيرة البندقية

مصدر الصورة: Pinterest قبل أن تصبح جزيرة الليدو في البندقية مسرحًا سنويًا لمهرجان سينمائي عالمي، كانت السينما قد اكتشفت فيها شيئًا آخر: مكانًا جاهزًا للصورة. فنادق فاخرة تطل على البحر الأدرياتيكي، شواطئ مفتوحة، واجهات بحرية واسعة، عمارة تجمع بين التأثيرات الفينيسية والموريسكية والبيزنطية، ومساحات طبيعية تتغير ملامحها كلما اتجهنا جنوبًا. كل هذه العناصر جعلت الليدو أكثر من مجرد منتجع بحري قريب من البندقية؛ فقد تحولت عبر العقود إلى خلفية لعدد من الأعمال السينمائية، وإلى جزء من التاريخ الذي صنعته الكاميرا في الجزيرة. من Grand Hotel des Bains الذي ارتبط إلى الأبد بـDeath in Venice، إلى Hotel Excelsior الذي استضاف أول دورة من مهرجان البندقية السينمائي وشهد لاحقًا تصوير مشاهد من Once Upon a Time in America، وصولًا إلى Lungomare Marconi ومجمع المهرجان، تكشف الليدو عن طبقات مختلفة من علاقتها بالسينما. في سبتمبر، لا تكتفي جزيرة الليدو باستقبال الدورة الثالثة والثمانين من مهرجان البندقية السينمائي، بل تصبح جزءًا من المشهد الأوسع الذي ترسمه مهرجانات السينما العالمية في سبتمبر 2026، مع انطلاق موسم حافل بالعروض والفعاليات السينمائية. لماذا أصبحت جزيرة الليدو موقعًا سينمائيًا؟ View this post on Instagram A post shared by Lido Venice (@visitlido.it) تتمتع الليدو بميزة نادرة بالنسبة إلى موقع تصوير: فهي تجمع، في مساحة جغرافية محدودة، بين عناصر مختلفة يمكن للمخرج استخدامها لصناعة عوالم بصرية متباينة. فهناك الفنادق التاريخية ذات الديكورات الفخمة، والبحر والشاطئ، والحدائق والواجهات البحرية، إلى جانب مجمع مهرجان البندقية السينمائي. وفي الوقت نفسه، يسمح موقع الجزيرة بالقرب من البندقية التاريخية بالانتقال من أجواء المنتجع الأوروبي الراقي إلى المشاهد الطبيعية المفتوحة من دون مغادرة الجزيرة. هذه الخصائص لم تظهر مصادفة. فمنذ أواخر القرن التاسع عشر، تطورت الليدو كمنتجع سياحي راقٍ، وظهرت فيها فنادق كبرى استقطبت النخبة الأوروبية. وكان هذا المزيج من الفخامة والبحر والعمارة أحد الأسباب التي جعلت الجزيرة مناسبة للسينما، قبل أن يصبح مهرجان البندقية نفسه جزءًا أساسيًا من هويتها. Grand Hotel des Bains الفندق الذي خلّده «Death in Venice» View this post on Instagram A post shared by Grand Hôtel des Bains (@grandhoteldesbains) إذا كان هناك مبنى واحد تختصر فيه العلاقة بين الليدو والسينما، فهو Grand Hotel des Bains.افتُتح الفندق عام 1900، وسرعان ما أصبح أحد أبرز معالم المنتجع الفاخر في الجزيرة. لكن علاقته بالسينما بدأت من قصة أدبية سبقت الفيلم بسنوات. ففي عام 1911 أقام الكاتب الألماني توماس مان في الفندق، وأصبحت إقامته في الليدو جزءًا من الإلهام الذي ارتبط بروايته Death in Venice. وعندما نقل لوكينو فيسكونتي الرواية إلى الشاشة عام 1971، عاد إلى المكان نفسه، فصوّر الفيلم في الفندق وفي محيطه. وهكذا تحولت جدران Des Bains إلى أكثر من خلفية معمارية؛ أصبحت جزءًا من الصورة التي ارتبطت في أذهان المشاهدين بمدينة البندقية والليدو. View this post on Instagram A post shared by Grand Hôtel des Bains (@grandhoteldesbains) من توماس مان إلى لوكينو فيسكونتي، تكمن خصوصية Des Bains في أن علاقته بـDeath in Venice تتجاوز كونه موقع تصوير. فالمكان مرتبط أصلًا بالنص الأدبي الذي سبق الفيلم، ما يمنحه موقعًا نادرًا عند تقاطع الأدب والسينما والسياحة. وعندما صوّر فيسكونتي الفيلم، استفاد من الفندق والبحر والشاطئ المحيط به لصناعة أجواء العمل التي أصبحت من أكثر الصور شهرة في السينما المرتبطة بالبندقية. Des Bains في «The English Patient» View this post on Instagram A post shared by Tuscany Film Location (@tuscanyfilmlocation) لم تتوقف العلاقة السينمائية للفندق عند فيسكونتي. ففي أواخر التسعينيات، استخدم أنتوني مينغيلا Grand Hotel des Bains في تصوير مشاهد من The English Patient. وهنا تظهر قدرة الليدو على أداء أدوار مختلفة أمام الكاميرا؛ فالمكان نفسه الذي ارتبط بالبندقية في فيلم فيسكونتي استطاع أن يتحول سينمائيًا إلى فضاء يمثل موقعًا مختلفًا تمامًا في قصة أخرى. شاطئ الليدو.. حين يصبح البحر جزءًا من المشهد View this post on Instagram A post shared by Grand Hôtel des Bains (@grandhoteldesbains) لا تحتاج شواطئ الليدو إلى ديكور سينمائي كي تلفت الكاميرا. البحر الأدرياتيكي، الرمال، الأكواخ الشاطئية، الضوء المتغير والامتداد المفتوح أمام العين تمنح المكان هوية بصرية واضحة، وهنا تكمن إحدى نقاط قوة الليدو كموقع تصوير: الطبيعة لا تعمل مجرد خلفية، بل تصبح جزءًا من الحالة التي يريد الفيلم نقلها. ولذلك يمكن للزائر اليوم أن يتعامل مع الشاطئ باعتباره مساحة تجمع بين السياحة والذاكرة السينمائية، من دون الحاجة إلى تحويل كل جزء من الجزيرة إلى «موقع تصوير» بالمعنى الحرفي. أما التوجه جنوبًا نحو Alberoni، فيكشف وجهًا آخر لليدو؛ أكثر هدوءًا وطبيعية، بعيدًا عن كثافة الفنادق ومشهد المهرجان. Hotel Excelsior الفندق الذي شهد ولادة مهرجان البندقية View this post on Instagram A post shared by Hotel Excelsior Venice (@excelsiorvenice) إذا كان Des Bains مرتبطًا بذاكرة Death in Venice، فإن Hotel Excelsior يحتفظ بمكانة مختلفة تمامًا في تاريخ السينما. افتُتح الفندق عام 1908، ويتميز بعمارة تجمع بين التأثيرات الموريسكية والقوطية والبيزنطية والفينيسية، ما جعله أحد أكثر مباني الواجهة البحرية تميزًا في الليدو. لكن أهميته السينمائية بدأت قبل أن يتحول إلى موقع تصوير. في 6 أغسطس 1932، استضاف تراس الفندق الدورة الأولى من مهرجان البندقية السينمائي، الذي حمل آنذاك اسم Esposizione Internazionale d’Arte Cinematografica. قبل أن ينتقل إلى Palazzo del Cinema موقع المهرجان الذي نعرفه اليوم. كانت تلك البداية المتواضعة نسبيًا على شرفة الفندق هي الخطوة الأولى في مسيرة أصبحت لاحقًا واحدة من أهم المواعيد في التقويم السينمائي العالمي. «Once Upon a Time in America» داخل Hotel Excelsior بعد عقود من ولادة المهرجان، عاد Excelsior إلى الشاشة من خلال أحد أشهر أفلام السينما الإيطالية. ففي فيلم سيرجيو ليوني Once Upon a Time in America، استُخدمت Sala degli Stucchi، أو قاعة الجص، في الفندق لتصوير مشاهد تجمع روبرت دي نيرو وإليزابيث ماكغوفرن، بما في ذلك مشاهد ذات طابع احتفالي ومطعم فاخر. وتمنح القاعة، بديكوراتها التاريخية وتفاصيلها الزخرفية، الفيلم نوعًا من الفخامة البصرية التي يصعب فصلها عن شخصية المكان نفسه. وهنا يلتقي تاريخ المهرجان بتاريخ السينما داخل المبنى