انتهت الدورة الـ83 من مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي تاركة وراءها حصيلة لا تختصرها أسماء الأفلام الفائزة وحدها. فعلى مدار أيام المهرجان، بدت المسابقة الرسمية وكأنها تعيد طرح أسئلة قديمة بلغة سينمائية جديدة: ماذا تفعل الذاكرة بالإنسان؟ كيف تستمر آثار الحرب بعد انتهائها؟ وأين تقف السينما أمام السلطة والمجتمع والعلاقات الإنسانية؟
وفي مساء 12 سبتمبر، انتقلت هذه الأسئلة من شاشات العرض إلى منصة التكريم، مع إعلان اختيارات لجنة التحكيم برئاسة Maggie Gyllenhaal.
وكان فيلم Woman Unknown للمخرجة الدنماركية May el-Toukhy صاحب اللحظة الأبرز في الختام، بعدما حصد الأسد الذهبي، فيما أضيف إلى رصيده تكريم آخر مع فوز بطلته Mathilde Arcel بكأس فولبي لأفضل ممثلة.
لكن حصاد الدورة لم يتوقف عند هذا الفوز. فقد توزعت أبرز التكريمات بين أفلام تناولت الحب والعلاقات، وأعمال ذات خلفيات سياسية وتاريخية، وتجارب إخراجية لافتة، إلى جانب حضور واضح للمواهب الشابة.
Woman Unknown الفيلم الذي خرج من الختام بأكبر مكاسب
View this post on Instagram
كان Woman Unknown من أبرز الأفلام التي طبعت ذاكرة هذه الدورة، قبل أن يتحول إلى صاحب الجائزة الأهم في ليلة الختام.
تدور أحداث الفيلم في الدنمارك بعد نهاية الاحتلال النازي، من خلال قصة امرأة شابة تلاحقها تبعات علاقة سابقة بجندي ألماني. ومن هذه القصة الخاصة، تبني May el-Toukhy معالجة تتقاطع فيها الذاكرة الشخصية مع الذاكرة الجماعية، وتظهر فيها آثار الوصمة الاجتماعية على حياة المرأة وخياراتها.
ويمنح الفوز الفيلم أهمية إضافية حصول Mathilde Arcel على كأس فولبي لأفضل ممثلة عن الدور نفسه، في لحظة جمعت بين الاعتراف بالعمل ككل والاحتفاء بالأداء الذي حمل جانبا أساسيا من ثقله الدرامي.
كما يضيف فوز May el-Toukhy بعداً مهماً إلى حضور المخرجات في المسابقة الرئيسية، خصوصاً أن Woman Unknown كان الفيلم الوحيد في المسابقة الرئيسية الذي أخرجته امرأة بشكل منفرد.
Lee Chang-dong يحصد الجائزة الكبرى

جاءت الجائزة الكبرى للجنة التحكيم من نصيب المخرج الكوري الجنوبي Lee Chang-dong عن فيلم Possible Love.
وبينما بقي الأسد الذهبي في دائرة الدراما التاريخية والاجتماعية التي يقدمها Woman Unknown، نقلت الجائزة الكبرى الاهتمام إلى عمل آخر ينتمي إلى سينما العلاقات الإنسانية وتعقيداتها.
ويؤكد التكريم في الوقت نفسه استمرار الحضور القوي للسينما الآسيوية في المشهد التنافسي للمهرجانات الأوروبية الكبرى.
جائزة الإخراج لـ Ilya Khrzhanovsky

أما Ilya Khrzhanovsky، فحصل على الأسد الفضي لأفضل مخرج عن فيلم DAU.
وجاء هذا التكريم ليمنح الإخراج موقعاً بارزاً في حصيلة الدورة، بعدما توزعت الجوائز الرئيسية على تجارب سينمائية مختلفة بدلاً من أن تتركز في فيلم واحد.
Mathilde Arcel من البطولة إلى منصة التكريم

من بين الأسماء التي برزت بقوة في ختام الدورة، جاءت Mathilde Arcel التي فازت بكأس فولبي لأفضل ممثلة عن Woman Unknown.
وتكتسب الجائزة دلالتها من ارتباطها بالفيلم الفائز بالأسد الذهبي، لتصبح Arcel واحدة من الوجوه التمثيلية التي ارتبط اسمها بشكل مباشر بأبرز نجاحات الدورة.
ويبدو هذا التكريم مهماً أيضاً على مستوى مسار ممثلة شابة تدخل إلى دائرة الاهتمام الدولي من خلال أحد أكثر أفلام المسابقة تقديراً.
John Malkovich يضيف كأس فولبي إلى Wild Horse Nine

في فئة أفضل ممثل، ذهب كأس فولبي إلى النجم الأميركي John Malkovich عن أدائه في Wild Horse Nine.
ويأتي التكريم ليضيف حضوراً تمثيلياً أميركياً بارزاً إلى الحصيلة النهائية، في دورة جمعت بين أسماء ذات مسارات طويلة في السينما ومواهب صاعدة بدأت تلفت الأنظار عالمياً.
وكان الفيلم نفسه من الأعمال التي حضرت بقوة في البرنامج التنافسي، قبل أن يترجم هذا الحضور إلى جائزة تمثيلية في الختام.
NAZA حين تصبح الوثيقة جزءاً من النقاش السينمائي

حمل NAZA واحدة من أكثر الجوائز ارتباطاً بالأسئلة السياسية التي حضرت في أجواء الدورة، بعدما نال الفيلم الوثائقي من إخراج Yuval Abrahamو Rachel Szor ، جائزة لجنة التحكيم الخاصة.
ويكشف هذا الاختيار عن مساحة واضحة منحتها فينيسيا للأعمال التي تتعامل مع الواقع السياسي والاجتماعي بوصفه مادة سينمائية، وليس مجرد خلفية للأحداث.
وبذلك لم تقتصر صورة الدورة على الأفلام الروائية التقليدية، بل امتدت إلى الفيلم الوثائقي بوصفه أداة لطرح الأسئلة حول السلطة والحرب والواقع المعاصر.
السيناريو.. تكريم لفيلم A Good Little Soldier

حصل Stéphane Brizéو Coralie Amedeo وOlivier Gorce على جائزة أفضل سيناريو عن الفيلم الفرنسي A Good Little Soldier.
ويضيف هذا التكريم بعداً جديداً إلى خريطة الجوائز، بعدما توزعت الاعترافات بين الكتابة والإخراج والأداء، إلى جانب الجوائز الكبرى الخاصة بالأفلام.
وتبرز الجائزة أهمية السيناريو بوصفه أحد العناصر التي قادت عدداً من الأعمال المشاركة إلى واجهة النقاش النقدي خلال الدورة.
Malou Khebizi اسم شاب يخرج من فينيسيا بزخم جديد

لم تكن ليلة الختام مخصصة للأسماء الراسخة فقط. فقد حصدت Malou Khebizi جائزة Marcello Mastroianni لأفضل ممثل أو ممثلة شابة عن أدائها في فيلم A Place To Heal للمخرج الفرنسي Cédric Kahn.
في الفيلم، تدخل Khebizi إلى عالم درامي حساس داخل جناح للطب النفسي للمراهقين في مستشفى عام، حيث تصل شخصية Lucia ، البالغة 17 عاماً، إلى المستشفى برفقة الشرطة، لتجد نفسها وسط مجموعة من المراهقين الذين يعيش كل منهم ظروفاً مختلفة، إلى جانب الأطباء والعائلات المحيطة بهم.
ولا يعتمد الفيلم على الأحداث وحدها لبناء توتره، بل على العلاقات بين الشخصيات والتفاصيل اليومية داخل المكان المغلق. وهنا يكتسب الأداء التمثيلي أهمية مضاعفة، لأن الشخصيات تتحرك في مساحة تعتمد على الحوار والصمت والنظرات والتوترات الإنسانية.
بالنسبة إلى Khebizi، تبدو الجائزة أكثر من مجرد تكريم عن دور واحد؛ فهي محطة تمنح موهبة شابة حضوراً دولياً في واحدة من أهم المنصات السينمائية في العالم.
خريطة التكريمات ترسم صورة مختلفة للدورة
عند النظر إلى الحصيلة النهائية بعيداً عن ترتيب الجوائز، تبدو الصورة أكثر تنوعاً.
فـWoman Unknown حمل الأسد الذهبي، بينما ذهب التكريم التالي إلى Possible Love، وحصل DAU على جائزة الإخراج، في حين توزعت جوائز التمثيل بين Mathilde Arcel وJohn Malkovich.
وفي المقابل، حملت NAZA حضور الفيلم الوثائقي إلى الواجهة، بينما حصل A Good Little Soldier على اعتراف بالكتابة، ووصل اسم Malou Khebizi إلى منصة التكريم باعتباره واحداً من اكتشافات المواهب الشابة في الدورة.
هذه الخريطة تجعل من حصاد فينيسيا 2026 أكثر من مجرد ترتيب للفائزين؛ فهي تعكس تعدد المسارات التي تتحرك فيها السينما المعاصرة، بين التاريخ والذاكرة والسياسة والعلاقات الإنسانية، وبين الأسماء المخضرمة والوجوه التي تبدأ الآن في بناء حضورها الدولي.
من الشاشة إلى السجادة الحمراء
وبانتهاء المنافسة الرسمية، لا تنتهي حكاية فينيسيا مع جمهور الموضة. فالمهرجان، الذي يستقطب في كل دورة أبرز نجوم السينما العالمية، بقي أيضاً مسرحاً لإطلالات تحولت إلى جزء من صورته الثقافية والإعلامية.
وهكذا، تختتم الدورة الـ83 فصلها السينمائي بجوائز أعادت ترتيب المشهد التنافسي، بينما تبقى السجادة الحمراء واللحظات البصرية التي رافقت الأفلام جزءاً آخر من إرث المهرجان في ذاكرة هذا العام.
إقرأ أيضًا:
أناقة الرجال في مهرجان فينيسيا 2026: التوكسيدو والبدلات والساعات على السجادة الحمراء
Bunker في فينيسيا: حين خرج هاجس العزلة إلى الضوء
روبرت باتينسون في فينيسيا 2026.. من نجم Twilight إلى بطل Primetime
مهرجان فينيسيا السينمائي 2026: خلف بريق السجادة الحمراء، مهرجان يسأل عن مستقبل السينما
كوثر بن هنية في فينيسيا 2026: عام واحد بين الأسد الفضي ولجنة التحكيم
السينما العربية في مهرجان البندقية 2026: من المشاركة إلى التأثير