مصدر الصورة: Getty
في سبتمبر 2025، وصلت كوثر بن هنية إلى جزيرة الليدو في البندقية بوصفها مخرجة تنافس في المسابقة الرسمية لمهرجان فينيسيا السينمائي. وبعد أيام، غادرتها وهي تحمل الأسد الفضي – الجائزة الكبرى للجنة التحكيم عن فيلمها “صوت هند رجب”.بعد عام واحد فقط، تعود المخرجة التونسية إلى المكان نفسه، لكن من موقع مختلف تمامًا. ففي الدورة الـ83 من مهرجان فينيسيا السينمائي 2026، تجلس كوثر بن هنية إلى طاولة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، برئاسة ماغي جيلنهال، لتشارك في اختيار الأفلام الفائزة.
بين ظهورين لا يفصل بينهما سوى عام، تبدلت مهمتها بالكامل: من مخرجة تنتظر قرار لجنة التحكيم إلى سينمائية تشارك في صياغة هذا القرار.
وهذه النقلة تختصر، في لحظة واحدة، التحول اللافت في مكانة كوثر بن هنية داخل المشهد السينمائي العالمي، وتضعها في مقدمة المخرجات العربيات اللواتي رسّخن حضورهن في كبرى منصات السينما الدولية.
عام واحد بين الأسد الفضي وطاولة التحكيم
View this post on Instagram
تكتسب عودة كوثر بن هنية إلى فينيسيا في 2026 دلالتها من قربها الزمني الشديد من لحظة تكريمها في الدورة السابقة.
في 2025، كان “صوت هند رجب” واحدًا من الأفلام التي حملت حضورًا عربيًا بارزًا إلى المسابقة الرسمية، وانتهت مشاركة الفيلم بالحصول على الأسد الفضي – الجائزة الكبرى للجنة التحكيم.
أما في 2026، فتعود بن هنية إلى المسابقة نفسها لا بفيلم جديد، وإنما بعضوية اللجنة التي ستنظر في الأعمال المتنافسة على الجوائز علمًا أن الأعمال العربية لا زالت تفرض وجودها في المهرجان لكنها تغيب عن المسابقة الرسمية.
إنها ليست مجرد عودة إلى مهرجان حققت فيه نجاحًا كبيرًا، بل انتقال من الجهة التي تتلقى الحكم إلى الجهة التي تصنعه.
ويأتي هذا الانتقال بعد مسيرة سينمائية اتسمت بتعدد الأشكال والأساليب، من الوثائقي إلى الروائي، ومن القصص الشخصية إلى القضايا الأكثر اتساعًا المرتبطة بالسلطة والعدالة والهشاشة الإنسانية.
كوثر بن هنية: مسار تونسي بامتداد عالمي
View this post on Instagram
من تونس بدأت كوثر بن هنية رحلتها في السينما، قبل أن تواصل تكوينها في باريس في La Fémis وجامعة السوربون الجديدة. ومنذ أعمالها الأولى، اتجهت إلى البحث عن مساحات سردية تتقاطع فيها الحياة اليومية مع الأسئلة الاجتماعية والسياسية.
في عام 2014، قدمت فيلمها الطويل الأول “شكّات تونس” (The Challat of Tunis)، قبل أن يتسع حضورها الدولي مع أعمال لاحقة جعلت من اسمها واحدًا من الأسماء التونسية الأكثر حضورًا في المهرجانات الكبرى.
مع “على كف عفريت” (Beauty and the Dogs)، الذي شارك في قسم «نظرة ما» في مهرجان كان عام 2017، واصلت بن هنية بناء سينما تضع الشخصية في مواجهة منظومات اجتماعية وقانونية معقدة.
ثم جاء “الرجل الذي باع ظهره” (The Man Who Sold His Skin)، الذي شارك في قسم «آفاق» في فينيسيا عام 2020، ليضيف محطة جديدة إلى مسيرتها الدولية. وحصل بطله يحيى مهايني على جائزة أفضل ممثل، فيما نال الفيلم ترشيحًا لجائزة الأوسكار عن فئة أفضل فيلم دولي.
لكن المسار الذي قادها لاحقًا إلى طاولة التحكيم لم يكن قائمًا على التراكم المهني وحده، بل على قدرتها المستمرة على إعادة ابتكار شكل الحكاية السينمائية.
“بنات ألفة”: حين يصبح الواقع مادة للسينما
View this post on Instagram
في 2023، وصلت كوثر بن هنية إلى المسابقة الرسمية في مهرجان كان مع “بنات ألفة” (Four Daughters)، وهو عمل أعاد صياغة العلاقة بين الوثائقي والدراما، عبر المزج بين الشخصيات الحقيقية والأداء التمثيلي.
حصل الفيلم على جائزة العين الذهبية (L’Œil d’Or)، ثم وصل إلى سباق الأوسكار مرشحًا عن فئة أفضل فيلم وثائقي.
كان “بنات ألفة” محطة مهمة في تطور لغة بن هنية، إذ لم تعد المسألة بالنسبة إليها مجرد نقل الواقع إلى الشاشة، بل البحث عن الطريقة الأكثر قدرة على تفكيكه وإعادة النظر إليه.
ومن هنا يمكن فهم جانب من المكانة التي وصلت إليها اليوم: مخرجة لا تنتمي بسهولة إلى قالب واحد، وتتحرك بين الوثائقي والروائي، وبين التسجيل وإعادة البناء، من دون أن تفقد اهتمامها بالإنسان في مواجهة الظروف التي تحيط به.
«صوت هند رجب»: اللحظة التي أعادت رسم علاقتها بفينيسيا
View this post on Instagram
في 2025، اكتمل فصل أساسي من هذه الرحلة مع “صوت هند رجب”
اختير الفيلم للمسابقة الرسمية في الدورة الـ82 من مهرجان فينيسيا، وكان إنتاجًا تونسيًا-فرنسيًا ناطقًا بالعربية، مستندًا إلى قصة هند رجب والصوت الذي أصبح محورًا أساسيًا في بناء الفيلم.
في ختام المهرجان، حصل العمل على الأسد الفضي – الجائزة الكبرى للجنة التحكيم، لتصبح تلك اللحظة واحدة من أبرز محطات بن هنية في المهرجانات الدولية.
ولم تكن قيمة التجربة مرتبطة بالجائزة وحدها. فقد مثّل “صوت هند رجب” لحظة مفصلية في علاقتها بفينيسيا نفسها؛ فبعد أن دخلت المهرجان في 2020 من بوابة “آفاق”، عادت في 2025 إلى قلب المسابقة الرسمية، ثم تعود في 2026 إلى المهرجان من موقع تحكيمي رفيع.
ثلاث محطات، وثلاثة أدوار مختلفة، داخل المهرجان نفسه.
خبرة تسبق لجنة تحكيم فينيسيا
View this post on Instagram
ورغم أن عضوية لجنة تحكيم المسابقة الرسمية في فينيسيا تمثل محطة بارزة، فإنها ليست التجربة الأولى لكوثر بن هنية في لجان التحكيم الدولية.
في عام 2021، انضمت إلى لجنة تحكيم سينيفونداسيون والأفلام القصيرة في مهرجان كان، وهي اللجنة المعنية بمنح جوائز سينيفونداسيون، إلى جانب المشاركة في تقييم الأفلام القصيرة.
لذلك، فإن حضورها في لجنة تحكيم فينيسيا 2026 لا يمثل انتقالًا مفاجئًا من صناعة الأفلام إلى التحكيم، بل يأتي امتدادًا لمسار بدأت خلاله خبرتها تتجاوز موقع المخرجة إلى موقع السينمائية التي يُعوّل على رؤيتها في تقييم أعمال الآخرين.
وهنا تحديدًا تكتسب التجربة معناها الأوسع: فالمهرجانات الكبرى لا تستضيف بن هنية اليوم بوصفها صاحبة فيلم فحسب، بل بوصفها صاحبة تجربة ورؤية يمكن أن تسهم في تحديد الأفلام التي تستحق أن تتصدر المشهد.
فينيسيا… المهرجان الذي رافق تحولها
View this post on Instagram
يصعب فصل هذه العودة عن العلاقة التي بنتها كوثر بن هنية مع مهرجان فينيسيا خلال السنوات الأخيرة.
في 2020، كان “الرجل الذي باع ظهره” حاضرًا في قسم “آفاق”، ومنه بدأت مرحلة جديدة من ارتباطها بالمهرجان.
بعد خمس سنوات، جاءت المشاركة الأبرز مع “صوت هند رجب” في المسابقة الرسمية، وانتهت بالأسد الفضي.
وفي 2026، تتغير زاوية المشهد مرة أخرى: المخرجة التي وقفت أمام جمهور الليدو تحمل فيلمها، ستعود هذه المرة لتجلس داخل لجنة المسابقة الرسمية.
كأن فينيسيا لم تكن مجرد محطة في مسيرة بن هنية، بل مساحة شهدت انتقالها المتدرج من المنافسة إلى التكريم، ثم إلى المشاركة في صناعة القرار.
من صاحبة الجائزة إلى صانعة القرار
View this post on Instagram
اختيار كوثر بن هنية لعضوية لجنة تحكيم المسابقة الرسمية في فينيسيا 2026 يأتي بعد مسيرة جمعت بين أفلام روائية ووثائقية، وتجارب تونسية وشراكات دولية، وحضور متكرر في مهرجانات مثل كان وفينيسيا، إلى جانب الوصول إلى سباق الأوسكار.
لكن الأهم أن هذه المسيرة لم تتشكل من النجاحات المتتالية فحسب، بل من تطور واضح في موقعها داخل الصناعة.
ففي بداياتها، كانت تصنع أفلامًا تبحث عن مكان لها في المهرجانات الدولية. ثم أصبحت أفلامها جزءًا من المنافسة على جوائزها الكبرى. وبعد ذلك، وصلت إلى موقع يُطلب فيه منها أن تشارك في تقييم أعمال سينمائيين آخرين.
وهكذا، فإن عضوية لجنة فينيسيا 2026 تبدو أقل كأنها محطة منفصلة، وأكثر كأنها نتيجة طبيعية لمسار طويل من الحضور والتجربة والاعتراف الدولي.
فينيسيا 2026: فصل جديد في مسيرة كوثر بن هنية
View this post on Instagram
بين فينيسيا 2025 وفينيسيا 2026، تغيرت زاوية كوثر بن هنية داخل المهرجان بالكامل.
في العام الماضي، كانت تنتظر مع “صوت هند رجب” قرار لجنة التحكيم، قبل أن ينتهي المشوار بالأسد الفضي.
هذا العام، ستجلس إلى جانب أعضاء اللجنة برئاسة ماغي جيلنهال، لتشارك في اتخاذ القرارات التي ستحدد أصحاب جوائز الدورة الـ83.
وفي هذه المسافة القصيرة بين عامين، تظهر قصة أكبر من مجرد عودة مخرجة إلى مهرجان.
إنها قصة انتقال سينمائية تونسية من موقع المنافسة إلى موقع التأثير؛ من صاحبة فيلم تتجه الأنظار إليه، إلى شخصية يُنظر إلى خبرتها ورؤيتها بوصفهما جزءًا من عملية اختيار الأعمال التي ستبقى في ذاكرة المهرجان.
لذلك، فإن عودة كوثر بن هنية إلى جزيرة الليدو في 2026 لا تُقرأ فقط بوصفها فصلًا جديدًا في مسيرتها، بل بوصفها لحظة لافتة في حضور السينما العربية داخل واحدة من أعرق المؤسسات السينمائية في العالم.
تابع تغطيات السينما والمهرجانات العالمية عبر مجلة رجال، واطلع على المزيد من أخبار النجوم وصناع السينما