مهرجان فينيسيا 2026 يراهن على كبار المخرجين: قوة الاسم وسلطة المؤلف

مصدر الصورة: حساب مهرجان فينيسيا السينمائي على إنستغرام

حين يفتح مهرجان فينيسيا السينمائي 2026 دورته الـ83 في جزيرة الليدو بين 2 و12 سبتمبر، لن تكون المنافسة على الأسد الذهبي محكومة بأسماء الأفلام وحدها، بل أيضًا بتاريخ مخرجيها وثقلهم داخل السينما العالمية. فالقائمة الرسمية للمسابقة تجمع أسماء ذات حضور راسخ، من داني بويل وويرنر هرتسوغ إلى هيروكازو كوريدا ولي تشانغ-دونغ ومارتن ماكدونا وناني موريتي.

بهذا المعنى، تبدو دورة 2026 وكأنها تراهن على قوة الاسم بقدر ما تراهن على الفيلم نفسه. فالمخرج هنا لا يدخل المسابقة مجرد صاحب عمل جديد، بل يحمل معه مسارًا فنيًا كاملًا وتوقعات نقدية وجماهيرية تراكمت عبر سنوات.

لكن هذا الرهان لا يعني أن فينيسيا تغلق أبوابها أمام الأصوات الجديدة. ففي الوقت الذي تستقطب فيه المسابقة أسماء كبيرة، يواصل برنامج «آفاق» البحث عن اتجاهات جمالية وتعبيرية جديدة، مع مساحة للمواهب الشابة والأعمال الأولى والمخرجين الأقل شهرة.

داني بويل يفتتح المنافسة من موقع متقدم

 
 
 
 
 
View this post on Instagram
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

A post shared by La Biennale di Venezia (@labiennale)

من اللحظة الأولى، تضع فينيسيا اسمًا كبيرًا في واجهة الدورة.فيلم «Ink» للمخرج البريطاني داني بويل يفتتح المهرجان في عرضه العالمي الأول، كما يدخل ضمن المنافسة الرسمية على الأسد الذهبي. ويأتي اختيار بويل، صاحب أفلام مثل «Trainspotting» و«Slumdog Millionaire»، ليمنح الافتتاح حضورًا سينمائيًا قويًا، قبل أن تبدأ المنافسة الفعلية بين الأفلام.

أهمية الاختيار لا تكمن في شهرة بويل وحدها، بل في وضع مخرج صاحب تاريخ جماهيري ونقدي واسع منذ البداية داخل سباق الجائزة الرئيسية. وهكذا يبدأ المهرجان دورةً يكون فيها اسم المخرج جزءًا من الحدث نفسه.

من هرتسوغ إلى كوريدا: حين يدخل تاريخ المخرج إلى سباق الأسد الذهبي

 
 
 
 
 
View this post on Instagram
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

A post shared by La Biennale di Venezia (@labiennale)

يتضح الرهان بصورة أكبر مع حضور أسماء مثل الألماني ويرنر هرتسوغ والياباني هيروكازو كوريدا. يشارك هرتسوغ في المسابقة بفيلم «Bucking Fastard»، فيما ينافس كوريدا بفيلم «Look Back». وكلاهما ينتمي إلى فئة من المخرجين الذين يصعب فصل أفلامهم عن بصمتهم الشخصية وتاريخهم السينمائي.

هنا تحديدًا تظهر فكرة «سلطة المؤلف» التي تمنح دورة 2026 جانبًا من هويتها. فالجمهور والنقاد لا ينتظرون الفيلم بوصفه عملًا منفصلًا، وإنما يدخلون إليه وفي ذهنهم أسلوب المخرج ومسيرته وما صنعه سابقًا.

وجود هرتسوغ إلى جانب بويل وكوريدا وغيرهم يجعل المسابقة مساحة لاختبار سؤال يتجاوز جودة الفيلم منفردًا: ماذا يستطيع المخرج صاحب التجربة الطويلة أن يقول الآن؟

لي تشانغ-دونغ وكوريدا: الرهان يمتد إلى السينما الآسيوية

 
 
 
 
 
View this post on Instagram
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

A post shared by La Biennale di Venezia (@labiennale)

لا يقتصر حضور الأسماء الراسخة على السينما الأوروبية والأميركية. فالمسابقة تفتح مساحة بارزة للسينما الآسيوية من خلال الياباني هيروكازو كوريدا والكوري الجنوبي لي تشانغ-دونغ.

ويشارك لي تشانغ-دونغ بفيلم «Possible Love» (Ga-neung-han sa-rang)، بمشاركة جيون دو-يون وسول كيونغ-غو وزو إن-سونغ، ليعود أحد أبرز الأسماء في السينما الكورية الجنوبية إلى المنافسة الدولية.

أهمية هذا الحضور أنه يوسع مفهوم «المخرج الكبير» داخل الدورة. ففينيسيا لا تبني رهانها على مركز سينمائي واحد، وإنما تجمع تجارب تنتمي إلى تقاليد وجغرافيات مختلفة، لكنها تشترك في امتلاك أصحابها بصمة فنية وتاريخًا نقديًا واضحًا.

وبذلك، لا تبدو دورة 2026 عودة إلى مفهوم تقليدي للمخرج صاحب الاسم الكبير، بل محاولة لعرض تعدد أشكال سينما المؤلف عالميًا.

مارتن ماكدونا وناني موريتي: السينما الأوروبية تستعيد ثقل المؤلف

 
 
 
 
 
View this post on Instagram
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

A post shared by La Biennale di Venezia (@labiennale)

في الجانب الأوروبي، يضيف حضور مارتن ماكدونا وناني موريتي طبقة أخرى إلى المسابقة. يشارك ماكدونا بفيلم «Wild Horse Nine»، فيما يعود موريتي إلى المسابقة بفيلم «Succederà questa notte». وبينما ينتمي كل منهما إلى تقليد سينمائي مختلف، فإن اسميهما يرتبطان بوضوح بوجود رؤية إخراجية يمكن التعرف إليها.

أما حضور موريتي فيحمل دلالة إضافية، لأنه يربط المنافسة الدولية بالسينما الإيطالية، ويمنح الدورة حضورًا محليًا من خلال أحد أبرز المخرجين الإيطاليين المعاصرين.

وهكذا، لا تتحول الأسماء الكبيرة إلى كتلة واحدة داخل المسابقة؛ بل تتوزع بين تجارب أوروبية وآسيوية، وبين سينما ذات طابع جماهيري وأخرى أكثر ارتباطًا بالمؤلف والرؤية الشخصية.

لكن فينيسيا لا تغلق الباب أمام الجيل الجديد

 
 
 
 
 
View this post on Instagram
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

A post shared by La Biennale di Venezia (@labiennale)

رغم كثافة الأسماء المعروفة في المسابقة الرسمية، سيكون من الخطأ قراءة فينيسيا 2026 باعتبارها دورة مغلقة على المخرجين المخضرمين.

هنا تأتي أهمية برنامج “آفاق”، الذي يركز على أحدث الاتجاهات الجمالية والتعبيرية في السينما، ويمنح مساحة للمواهب الشابة والأفلام الأولى والمخرجين الذين لا يمتلكون بعد الاسم نفسه الذي تحمله مجموعة المسابقة الرئيسية.

وتكشف هذه الثنائية عن توازن مهم في هوية المهرجان:

المسابقة الرسمية تراهن على قوة الخبرة والاسم، بينما تواصل الأقسام الأخرى البحث عن الأسماء التي يمكن أن تصبح مستقبل السينما.

وهذا ما يمنع الرهان على كبار المخرجين من التحول إلى حنين للماضي. فالمهرجان لا يختار بين المؤلف الراسخ والمخرج الجديد، بل يحاول وضع الاثنين داخل منظومة واحدة.

لماذا تحتاج المهرجانات الكبرى إلى أسماء المخرجين؟

 
 
 
 
 
View this post on Instagram
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

A post shared by La Biennale di Venezia (@labiennale)

يمكن قراءة هذا التركيز على كبار المخرجين من أكثر من زاوية. أولًا، تمنح الأسماء الكبيرة المهرجان قدرة على صناعة الترقب قبل بدء العروض. وجود فيلم جديد لداني بويل أو هرتسوغ أو كوريدا أو لي تشانغ-دونغ يكفي لجذب اهتمام الصحافة السينمائية والنقاد والجمهور الدولي.

ثانيًا، تمنح هذه الأسماء المسابقة ذاكرة فنية. فكل فيلم جديد يدخل وفي خلفيته أعمال سابقة يمكن مقارنتها به، ما يفتح بابًا لنقاش يتجاوز تقييم الفيلم إلى تطور تجربة المخرج نفسه.

وثالثًا، تأتي هذه الأسماء في توقيت استراتيجي. فمهرجان فينيسيا يمثل إحدى المحطات الأساسية في بداية موسم الجوائز، وبالتالي يمكن للأفلام التي تحظى باهتمام نقدي كبير في الليدو أن تدخل مبكرًا في النقاشات التي تمتد إلى الخريف والشتاء.

لكن هذا الرهان يحمل مخاطرة أيضًا: كلما كان اسم المخرج أكبر، ارتفع سقف التوقعات.

فالفيلم الجديد لا يُقارن بالأفلام المنافسة فقط، بل قد يجد نفسه في مواجهة إرث صاحبه نفسه.

ألبرتو باربيرا واستمرارية صيغة تجمع الخبرة بالاكتشاف

 
 
 
 
 
View this post on Instagram
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

A post shared by Pietrangelo Buttafuoco (@pietrangelobuttafuoco)

لا يمكن فصل تركيبة الدورة عن رؤية ألبرتو باربيرا، المدير الفني لقسم السينما في لا بينالي دي فينيسيا.

وقد جددت «لا بينالي دي فينيسيا» تعيين باربيرا مديرًا فنيًا لقسم السينما لعامي 2027 و2028، في خطوة تعكس استمرار الثقة في النهج الذي يجمع بين الاختيارات ذات الثقل الدولي واكتشاف المواهب الجديدة.

لذلك يمكن قراءة دورة 2026 ضمن صيغة أكثر استمرارية من كونها تحولًا مفاجئًا في سياسة المهرجان: المخرج الكبير حاضر، لكن مساحة الاكتشاف لا تختفي.

وهذه ربما هي النقطة الأهم في تركيبة الدورة. ففينيسيا تحتاج إلى أسماء قادرة على جذب العالم إلى شاشاتها، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى أفلام ومخرجين جدد يحافظون على موقعها بوصفها مهرجانًا قادرًا على صناعة المستقبل، لا الاحتفاء بالماضي فقط.

فينيسيا 2026: الاسم الكبير يفتح المنافسة ولا يحسمها

 
 
 
 
 
View this post on Instagram
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

A post shared by La Biennale di Venezia (@labiennale)

من داني بويل في ليلة الافتتاح إلى هرتسوغ وكوريدا ولي تشانغ-دونغ وماكدونا وموريتي وسواهم، تبدو فينيسيا 2026 مصممة على منح «اسم المخرج» وزنًا واضحًا في صناعة الحدث.

لكن قوة الاسم لا تكفي للفوز.

فالاختبار الحقيقي يبدأ عندما تنطفئ الأضواء وتبدأ الأفلام في مواجهة بعضها بعضًا. عندها يصبح تاريخ المخرج عاملًا من عوامل الترقب، لا ضمانة للنجاح.

وهنا تحديدًا تكمن جاذبية الدورة الـ83: أسماء راسخة تدخل المنافسة وهي تحمل معها إرثها وتوقعات الجمهور، فيما تواصل المواهب الجديدة البحث عن لحظتها الأولى.

ولا تقتصر قوة الدورة على أسماء المتنافسين؛ إذ ترأس ماغي جيلنهال لجنة التحكيم التي تضم المخرجة التونسية كوثر بن هنية، الفائزة بالأسد الفضي في الدورة السابقة عن “صوت هند رجب”

في فينيسيا 2026، إذن، لا تدخل الأفلام المسابقة وحدها؛ يدخل معها تاريخ أصحابها، وأساليبهم، وتوقعات الجمهور تجاههم. الاسم الكبير يفتح باب المنافسة، لكن الفيلم وحده يستطيع أن يحسمها.

وهذا ما يجعل دورة 2026 محطة تستحق المتابعة في بداية موسم السينما والجوائز: ليس لمعرفة أي الأسماء الكبيرة ستصل إلى الليدو فحسب، بل لمعرفة أي منها سيستطيع تحويل قوة الاسم إلى لحظة سينمائية جديدة.

تابع تغطيات السينما والمهرجانات العالمية عبر مجلة رجال، واطلع على المزيد من أخبار النجوم وصناع السينما