جوائز مصوّر المحيط لعام 2026… صورة فرس البحر تضع مستقبل البحار أمام سؤال مفتوح

أعلنت مسابقة Ocean Photographer of the Year 2026 ، المقدّمة من مجلة Oceanographic ودار بلانبان Blancpain ، أسماء الفائزين في دورتها الجديدة، بعد استقبال أكثر من 15 ألف صورة التقطها نخبة من مصوّري المحيطات حول العالم. وحصد المصوّر الفرنسي جوليان أنتون الجائزة الكبرى عن صورة مؤثرة لذكر فرس البحر برفقة صغيرين حديثي الولادة، بينما نالت المصوّرة البريطانية جيني ستوك جائزة Female Fifty Fathoms التي تحتفي بالنساء الرائدات في التصوير البحري. ومن الحياة البرية إلى الفن والحفاظ على البيئة، كشفت الصور الفائزة جمال العالم المغمور بالمياه، لكنها وجّهت أيضًا رسالة ملحّة بشأن هشاشة المحيطات والمسؤولية البشرية عن مستقبلها.

جوليان أنتون يفوز بجائزة مصوّر المحيط لعام 2026 بصورة لذكر فرس البحر وصغيريه

 جوليان أنتون يحصد لقب مصوّر المحيط لعام 2026 بصورة مؤثرة لذكر فرس البحر وصغيريه
جوليان أنتون يحصد لقب مصوّر المحيط لعام 2026 بصورة مؤثرة لذكر فرس البحر وصغيريه

لم تحتج صورة جوليان أنتون إلى مشهد صاخب أو مواجهة نادرة كي تلفت أنظار لجنة التحكيم. فقد ركّز المصوّر الفرنسي عدسته على ذكر فرس البحر يقف في عتمة المحيط، وإلى جواره صغيران يكادان يختفيان في المساحة الداكنة المحيطة به. ويبدو الصغيران في الصورة كأنهما يتوقفان للحظة ويلتفتان نحو الذكر قبل الانطلاق إلى عالم مجهول. ويكتسب المشهد دلالة إضافية من حقيقة أن ذكر فرس البحر هو الذي يحمل الصغار ويضعهم، ما حوّل اللقطة إلى صورة رمزية عن الأبوة وبداية الحياة ومستقبل الأجيال الجديدة. وفازت الصورة أولًا ضمن فئة الحياة البرية في المحيط، قبل أن تختارها لجنة التحكيم لنيل الجائزة الكبرى وتحمل لقب أفضل صورة بحرية لعام 2026.

 صورة فرس البحر تطرح سؤالًا عن المحيط الذي نتركه للأجيال المقبلة

تتجاوز قوة الصورة قيمتها الجمالية، إذ تضع المشاهد أمام سؤال بيئي وإنساني مباشر: أي محيط نتركه لمن سيأتون بعدنا؟ وأوضح مؤسس المسابقة ومديرها ويل هاريسون أن لجنة التحكيم التزمت الصمت عندما ظهرت الصورة أمامها للمرة الأولى، لما تحمله من طاقة هادئة وتفاصيل تسمح بإسقاط المشاعر البشرية على المشهد، من انحناءة رأس الأب إلى التفاتة الصغيرين نحوه والفجوة بين الأجيال ومستقبلهما المجهول. أما جوليان أنتون، فأشار إلى أن التقاط الصورة جاء بعد ساعات طويلة من البحث في ظروف صعبة بمياه تاهيتي وموريا، ومن دون ضمان العثور على فرس بحر واحد. وأضاف أن اللحظة التي التفت فيها الصغيران نحو الذكر تجاوزت كل ما كان يأمل في تصويره. ورغم تتويجه بأبرز جوائز التصوير البحري، يؤكد أنتون أنه ليس مصوّرًا محترفًا، بل يستخدم التصوير وسيلة لمشاركة ما يراه ويشعر به، آملًا أن تتحول صورته إلى جسر يصل بين العلم وجهود حماية البيئة والجمهور.

 جيني ستوك تحصد جائزة Female Fifty Fathoms الداعمة للنساء في التصوير البحري

View this post on Instagram

A post shared by Blancpain (@blancpain1735)

ذهبت جائزة Female Fifty Fathoms 2026 إلى المصوّرة البريطانية جيني ستوك، تقديرًا لإسهاماتها في مجال التصوير تحت الماء وقدرتها على تجاوز الحدود التقليدية لهذا الفن. وكانت مجلة Oceanographic ودار بلانبان قد أطلقتا الجائزة عام 2021 بهدف الاحتفاء بالمصوّرات الرائدات في تصوير المحيطات. وعلى خلاف فئات المسابقة الأخرى، يجري ترشيح الفائزة من جانب زملائها في الوسط المهني، قبل أن تتولى لجنة متخصصة تقييم الترشيحات. وتضم اللجنة المصوّر البحري لوران باليستا، وفريق تحرير Oceanographic، إلى جانب وفد من دار بلانبان برئاسة مارك أ. حايك، الرئيس والمدير التنفيذي للدار. واعتبرت ستوك أن ترشيحها من زملائها يمنح الجائزة قيمة استثنائية بالنسبة إليها، مشيرة إلى أن التكريم يحتفي بإنجازات النساء وشغفهن بالتصوير البحري. كما عبّرت عن أملها في أن يشجع فوزها مزيدًا من النساء على حمل الكاميرا واكتشاف العالم الكامن تحت سطح المياه.

 فئة Ocean Unseen تكشف للمرة الأولى الكائنات الصغيرة والعوالم البحرية الخفية

شهدت دورة 2026 استحداث فئة جديدة تحمل اسم  Ocean Unseen: Hidden Worlds، وتهدف إلى توجيه العدسة نحو أصغر الكائنات البحرية وأكثرها ابتعادًا عن الأنظار. وفازت اليابانية ميتسونا كاواي بهذه الفئة عن صورة لسمكة شريطية التُقطت خلال غوص ليلي في المياه المفتوحة قبالة سواحل اليابان. وتجسد الصورة هدف الفئة الجديدة في الكشف عن جانب من المحيط قلّما يراه الإنسان، رغم أهميته في التوازن البيئي للحياة البحرية. وتؤكد هذه الفئة أن عظمة المحيط لا تقتصر على الحيتان وأسماك القرش والكائنات الضخمة، بل تمتد إلى المخلوقات المجهرية أو شبه الخفية التي تشكل جزءًا أساسيًا من أنظمته البيئية.

 صور العلاقة الإنسانية بالمحيط تجمع إنقاذ حوت طيار وركوب الأمواج مع الدلافين

الدلافين وراكبو الأمواج في لقطة تجمع عالمين فوق موجة واحدة
الدلافين وراكبو الأمواج في لقطة تجمع عالمين فوق موجة واحدة

توقفت المسابقة عند العلاقة الطويلة والمعقدة التي تجمع الإنسان بالبحر من خلال فئتي Human Connection وAdventure. وفاز روي دوارتي بفئة العلاقة الإنسانية عن صورة توثق محاولة متطوعين دفع حوت طيار جانح نحو البحر. ويختصر المشهد ارتباط الإنسان بالمحيط، كما يكشف حجم الخسارة التي قد تواجهها البشرية مع تراجع الحياة البحرية. أما جيرغو روغلي، ففاز بفئة المغامرة عن صورة لدلافين تعلو موجة إلى جانب مجموعة من راكبي الأمواج على شاطئ تاماراما في سيدني. والتقطت الصورة لحظة مبهجة يلتقي فيها عالمان مختلفان يتقاسمان المياه نفسها.

 السياحة المفرطة والتلوث والصيد الجائر في صور تحذّر من الأخطار التي تواجه المحيطات

حين تكشف الصور الثمن الذي تدفعه المحيطات
حين تكشف الصور الثمن الذي تدفعه المحيطات

في فئة Conservation Impact، فاز جيمس فيرارا عن صورة لقرش حوت تحيط به أعداد كبيرة من السباحين والغواصين. ولا تحتفي الصورة بالمواجهة النادرة بقدر ما تكشف التدخل البشري المفرط وتأثير السياحة غير المنضبطة في الكائنات البحرية وبيئاتها الطبيعية. وعكست الأعمال المتأهلة إلى نهائيات هذه الفئة مجموعة من القضايا البيئية الملحّة، شملت الصيد الجائر، والصيد العرضي، والتلوث البلاستيكي الذي يهدد الثدييات البحرية، إضافة إلى قتل الحيتان الطيارة في جزر فارو. وتحوّلت الصور بذلك من أعمال فنية إلى وثائق بصرية تكشف الضغوط التي تتعرض لها النظم البحرية، وتضع المشاهد أمام النتائج المباشرة للسلوك البشري.

 التكنولوجيا تمنح جهود حماية المحيطات مساحة للأمل في فئة  Conservation Hope

في مقابل الصور التي توثق الأضرار، قدّمت فئة Conservation Hope نماذج للحلول العلمية والعملية المستخدمة في حماية البحار. وفاز توماس بافي بهذه الفئة عن صورة لغواصين علميين يستخدمون تقنية التصوير المساحي بالفيديو والمعايرة بواسطة الليزر خلال مسح لإحدى الجماعات البحرية. وتسمح هذه الأدوات بجمع بيانات دقيقة تساعد الباحثين على مراقبة الكائنات ودراسة أعدادها وتطورها. وتكشف الصورة كيف يمكن للتكنولوجيا والبحث العلمي أن يتحولا إلى وسيلتين فاعلتين لفهم النظم البحرية وحمايتها، وأن مواجهة التحديات البيئية لا تقوم على التحذير وحده، بل تحتاج أيضًا إلى تطوير أدوات عملية للقياس والمتابعة.

ماتي سميث يحوّل قرش الممرضة إلى لوحة بالأبيض والأسود

حصد ماتي سميث جائزة فئة Ocean Fine Art عن صورة بالأبيض والأسود لقرش ممرضة تحيط به أسماك الريمورا في تشكيل متناظر. وتعتمد الصورة على هدوء المشهد وتوازن التكوين بعيدًا من الألوان الصاخبة، لتقدم دراسة بصرية في الشكل والسكون والحركة الخفية. ومن خلال هذا الأسلوب، يتحول الكائن البحري من موضوع توثيقي إلى عنصر فني يذكّر بسحر الكوكب الأزرق وغنى تفاصيله.

 دار بلانبان تربط إرث Fifty Fathoms بحماية المحيط والتصوير تحت الماء

View this post on Instagram

A post shared by Blancpain (@blancpain1735)

لا تمثل مسابقة Ocean Photographer of the Year احتفالًا بالتصوير وحده، بل تشكل إحدى الركائز الأساسية ضمن برنامج دار بلانبان Ocean Commitment المخصص لحماية المحيطات. ويقوم البرنامج على ثلاثة محاور مترابطة: تعزيز الوعي بجمال المحيطات، ودعم الأبحاث العلمية المتعلقة بالنظم البيئية والظواهر البحرية، وتنفيذ خطوات عملية للحفاظ عليها، من بينها المساهمة في إنشاء مناطق بحرية محمية حول العالم. وقال مارك أ. حايك إن ساعة Fifty Fathoms أدت منذ انطلاقها دورًا رياديًا في تاريخ الغوص واستكشاف المحيطات، فيما تواصل دار بلانبان اليوم دعم التصوير تحت الماء باعتباره أداة مؤثرة في الاستكشاف والتوعية وتحفيز جهود الحماية. وبين صورة أبٍ بحري يراقب صغيريه، ومشهد متطوعين ينقذون حوتًا جانحًا، وعدسة تكشف آثار السياحة المفرطة، تؤكد صور عام 2026 أن التصوير البحري لم يعد مجرد توثيق للجمال، بل أصبح صوتًا يدافع عن عالم مهدد لا تزال مساحات واسعة منه بعيدة عن أنظار البشر.