الجونة 2026… مخرجون عرب يحوّلون الحكايات المحلية إلى سينما عابرة للحدود

مصدر الصورة: Pinterest

سجّل مهرجان الجونة السينمائي في دورته التاسعة حضورًا لافتًا لتجارب عربية تنطلق من بيئات اجتماعية وثقافية مختلفة، لتطرح عبر الشاشة أسئلة تتجاوز حدود المكان والهوية. فمن حكايات النساء في المجتمعات المهمّشة، إلى الذاكرة الفلسطينية وتفاصيل الحياة اليومية تحت وطأة التحولات السياسية والاجتماعية، تكشف أفلام عدد من المخرجين العرب عن تنوّع الرؤى والأساليب التي ترسم ملامح السينما العربية المعاصرة.

ولم يكن هذا الحضور مقتصرًا على الأفلام المشاركة، بل امتد إلى أسماء مخرجين وصنّاع سينما حملوا إلى المهرجان تجارب شخصية وفنية متباينة، من بينها تجربة المخرج الفلسطيني ركان مياسي، الذي اتخذ من سهل البقاع اللبناني مسرحًا لحكايته الروائية الأولى، والمخرج الفلسطيني أحمد حسونة الذي عاد إلى الواقع الفلسطيني من خلال فيلم وثائقي، إلى جانب أسماء مصرية وأردنية ومغربية قدمت معالجات مختلفة لقضايا الإنسان والمجتمع.

ركان مياسي: من ذاكرة العائلة إلى حكاية نساء البقاع

من بين التجارب التي استوقفت الانتباه في المسابقة الروائية الطويلة، يبرز المخرج الفلسطيني ركان مياسي بفيلمه “البارح العين ما نامت” Yesterday the Eye Didn’t Sleep، الذي انتقل به من الأفلام القصيرة إلى تجربته الروائية الطويلة الأولى، بعد مسار سينمائي بدأ عام 2012 بفيلم “ربما” وتواصل مع “بونبونيه” و”أبواق في السماء” و”المفتاح”.

سبق للفيلم أن شارك في قسم “نظرة ما” ضمن مهرجان كان السينمائي، قبل أن يصل إلى الجونة، حيث حصد جائزة النجم الذهبي لأفضل فيلم روائي عربي، كما نال جائزة شبكة ترويج السينما الآسيوية NETPAC بالمناصفة.

لكن ما يجعل هذه التجربة جديرة بالتوقف عندها لا يقتصر على حضورها في المهرجانات، بل يرتبط بالمساحة الإنسانية التي يفتحها مياسي من خلال حكاية مستوحاة من تجربة جدته، التي زُوّجت قسراً في الرابعة عشرة من عمرها.

تدور الأحداث في مجتمع بدوي في سهل البقاع، حيث يؤدي اختفاء شابة ووقوع حادث بين أفراد عشيرتين إلى تصاعد نزاع يهدد بتفجير دورة من الثأر. وفي محاولة لاحتواء الأزمة، تصبح الشقيقتان ريم وجواهر جزءًا من تسوية يُنتظر منهما أن تتحملا ثمنها، لتتكشف من خلال حكايتهما أسئلة حول موقع المرأة في منظومة التقاليد والسلطة الاجتماعية، وحول الثمن الذي تدفعه النساء مقابل نزاعات لا يخترنها.

هنا، لا يعمل البقاع مجرد خلفية للأحداث، بل يتحول إلى عنصر أساسي في بناء العالم السينمائي، بما يحمله من طبيعة جغرافية وعادات اجتماعية وعلاقات متشابكة. وقد اختار مياسي التصوير في المنطقة والاستعانة بممثلين غير محترفين من محيطها، مع الابتعاد عن السيناريو المكتوب بالصيغة التقليدية، ليقترب من عفوية الشخصيات وإيقاع حياتها اليومية.

بهذه المقاربة، يلتقي المحلي بالإنساني في تجربة لا تحصر أسئلتها في مجتمع بعينه، بل تفتح نقاشًا أوسع حول الزواج القسري والثأر ومصائر النساء، وهو ما انعكس أيضًا في حيثيات منحه جائزة أفضل فيلم روائي عربي في الجونة.

أحمد حسونة:  السينما الفلسطينية من زاوية إنسانية

ومن فلسطين أيضًا، قدم المخرج أحمد حسونة فيلم “المواطن أسامة” Citizen Osama، الذي اتخذ من السينما الوثائقية وسيلة للاقتراب من الواقع الفلسطيني وتفاصيله الإنسانية. وحقق الفيلم حضورًا بارزًا في المهرجان، بعدما حصد جائزة النجم الذهبي لأفضل فيلم وثائقي، إلى جانب جائزة أفضل فيلم وثائقي عربي.

يروي الفيلم قصة أسامة العشي، المصور والصحافي الذي يوثّق الحياة في غزة المحاصرة، ويتابع المخرج أحمد حسونة التوتر بين مسؤولية أسامة المهنية وحياته العائلية مع زوجته وطفله حديث الولادة.

وتبرز أهمية هذه التجربة في قدرتها على تقديم الواقع من خلال شخصياته وتفاصيله، بعيدًا عن الاكتفاء بالمعالجة الخبرية للأحداث، لتمنح المشاهد فرصة الاقتراب من التجربة الإنسانية الفلسطينية.

محمد حماد: أسئلة النجاة في السينما المصرية

وفي السينما المصرية، حضر المخرج محمد حماد بفيلم “خروج آمن” Safe Exit، الذي فاز بجائزة النجم الذهبي لأفضل فيلم روائي طويل في الدورة التاسعة من المهرجان.

ويأتي العمل ضمن مسار حماد السينمائي الذي يميل إلى الاقتراب من الشخصيات الإنسانية في لحظات التحول والاختبار، مع اهتمام بالتفاصيل النفسية والاجتماعية التي تشكل مساراتها. وقد عزز تتويجه حضور السينما المصرية في المسابقة الروائية، مؤكدًا تنوع التجارب التي احتفى بها المهرجان.

لا يقتصر موضوع فيلم “خروج آمن” على التحولات النفسية بصورة عامة؛ بل يتناول جيلاً نشأ على وقع العنف الديني وفقدان الأهل، من خلال شخصية سمعان، الشاب القبطي الذي يحاول تجاوز صدمة مقتل والده.

زيد أبو حمدان: المرأة في قلب الحكاية الأردنية

ومن الأردن، شارك المخرج زيد أبو حمدان بفيلم “بومة” Boomah، الذي حصدت بطلته ركين سعد جائزة أفضل ممثلة عن أدائها في العمل. ويأتي الفيلم ضمن التجارب العربية التي تضع الشخصيات النسائية في قلب السرد، وتمنحها مساحة للتعبير عن تناقضاتها وتحدياتها، بعيدًا عن تقديمها في إطار نمطي واحد. بومة هي امرأة تفرض نفوذها في عالم الشارع والجريمة في عمّان، وتواجه علاقات القوة والعنف ومحاولات الإقصاء.

ويعكس هذا الحضور اهتمامًا متزايدًا بالشخصيات النسائية في السينما العربية، ليس فقط بوصفها موضوعًا للحكاية، بل باعتبارها محركًا أساسيًا للأحداث والتحولات الدرامية.

ياسين الإدريسي: سينما مغربية بإمكانات بسيطة ورؤية إنسانية

أما المخرج المغربي ياسين الإدريسي، فحضر بفيلم “حليمة” (Halima)، الذي نال تنويهًا خاصًا من لجنة التحكيم. ولفت العمل الانتباه إلى قدرته على بناء تجربة سينمائية مؤثرة بإمكانات محدودة، مستفيدًا من المزج بين التخييل والوثائقي، ومن تقديم العالم من منظور شخصياته.

وجاء التنويه ليضيف إلى خريطة الأفلام العربية المشاركة تجربة مغربية تنطلق من خصوصية محلية، لكنها تعتمد لغة إنسانية قادرة على التواصل مع جمهور يتجاوز حدودها الجغرافية.

أصوات جديدة توسّع خريطة السينما العربية

ولم يقتصر الحضور العربي على الأفلام الروائية الطويلة والوثائقية، بل امتد إلى الأفلام القصيرة أيضًا، حيث حصد فيلم “يوماً ما طفل” (Someday a Child) للمخرجة  اللبنانية ماري روز الأسطا جائزة أفضل فيلم عربي قصير، فيما نال “كنتُكي غزة” (Kentucky Gaza) للمخرج عمار رمال تنويهًا خاصًا.

وتكشف هذه المشاركات عن جيل من المخرجين الذين يتعاملون مع السينما باعتبارها مساحة لاختبار أشكال سردية مختلفة، والاقتراب من قضايا الهوية والذاكرة والعلاقات الإنسانية من زوايا جديدة.

الجونة منصة لاكتشاف تنوّع السينما العربية

من ركان مياسي الذي استعاد ذاكرة عائلية ليطرح أسئلة تتعلق بمصائر النساء، إلى أحمد حسونة الذي اقترب من الواقع الفلسطيني عبر الوثائقي، ومحمد حماد وزيد أبو حمدان وياسين الإدريسي، تتشكل صورة متعددة الأصوات للسينما العربية في مهرجان الجونة 2026.

وتكمن أهمية هذه التجارب في اختلاف منطلقاتها وأدواتها، وفي قدرتها على تحويل الحكايات المحلية إلى أعمال تلامس قضايا إنسانية أوسع. فالمكان، سواء كان قرية في البقاع أو فضاءً فلسطينيًا أو مجتمعًا مغربيًا، لا يمثل مجرد إطار للأحداث، بل نقطة انطلاق لفهم الشخصيات والتحولات التي تعيشها.

بهذا المعنى، لا يحتفي الجونة بالأفلام بوصفها أعمالاً فنية منفصلة فحسب، بل يتيح قراءة التحولات التي تشهدها السينما العربية، من خلال مخرجين يوسّعون حدود الحكاية، ويمنحون أصواتًا وتجارب مختلفة فرصة الوصول إلى الشاشة والجمهور الدولي.

تابع تغطيات السينما والمهرجانات العالمية عبر مجلة رجال، واطلع على المزيد من أخبار النجوم وصناع السينما.