مصدر الصورة: حساب فيلم Ink على إنستغرام
في فينيسيا، لا تبدأ الحكاية من السجادة الحمراء وحدها. خلف الأضواء والفساتين الراقية وعدسات المصورين، كان افتتاح الدورة الـ83 من مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي يحمل أسئلة أكبر عن السينما نفسها: من يروي قصصها؟ من يملك القدرة على التأثير في الجمهور؟ وكيف يمكن لصناعة تقوم على الصورة والحقيقة أن تتعامل مع عالم تتسارع فيه تقنيات الذكاء الاصطناعي؟
على جزيرة ليدو، انطلقت في 2 سبتمبر فعاليات المهرجان الذي يستمر حتى 12 سبتمبر، بإدارة المدير الفني ألبرتو باربيرا. ومنذ الساعات الأولى، بدا أن فينيسيا لا يريد الاكتفاء بدوره التقليدي كمنصة للأفلام والنجوم، بل يضع السينما في مواجهة مباشرة مع التحولات التي تعيد صياغة الإعلام والمجتمع والصناعة الثقافية.
ففي ليلة واحدة، اجتمعت ذاكرة السينما ممثلة بجورج كلوني، وأسئلة الإعلام والسلطة في فيلم داني بويل Ink، وصوت ماغي جيلنهال حول موقع المرأة خلف الكاميرا، فيما بقيت السجادة الحمراء تؤدي دورها المعتاد بوصفها المسرح الأكثر بريقًا للمهرجان.
حين يكرّم فينيسيا ذاكرة السينما في شخص جورج كلوني
View this post on Instagram
كان جورج كلوني أحد أبرز وجوه افتتاح المهرجان، ليس بوصفه نجمًا حاضرًا على السجادة الحمراء فحسب، بل باعتباره أحد الأسماء التي اختارت فينيسيا الاحتفاء بمسيرتها السينمائية.
فقد مُنح كلوني الأسد الذهبي للإنجاز مدى الحياة خلال مراسم افتتاح الدورة، تقديرًا لمسيرته كممثل ومخرج ومنتج. وقدمت الممثلة لورا ديرن كلمة التكريم، في لحظة بدا فيها الاحتفاء بالماضي جزءًا من سؤال أوسع عن مستقبل الفن السابع.
اختيار كلوني لهذه الجائزة يحمل رمزية خاصة؛ فهو ينتمي إلى جيل من النجوم الذين تحركوا بين السينما التجارية والمشاريع الأكثر شخصية، وبين التمثيل والإخراج والإنتاج. وفي فينيسيا، حيث يلتقي تاريخ السينما بمستقبلها، يصبح تكريم مسيرة طويلة أكثر من مجرد جائزة: إنه تذكير بقيمة الحضور الإنساني في صناعة تتغير أدواتها بسرعة.
لكن كلوني لم يكتفِ باستعادة الماضي. ففي حديثه خلال المهرجان، انتقل مباشرة إلى واحد من أكثر الأسئلة إلحاحًا في اللحظة الراهنة: الذكاء الاصطناعي وتأثيره في السينما والصحافة.
وحذّر من أن تقنيات مثل الـDeepfake يمكن أن تجعل الفصل بين الحقيقي والمصطنع أكثر صعوبة، بما يهدد الثقة في الصور والمعلومات. وهنا التقت لحظة التكريم مع سؤال المستقبل بصورة لافتة: نجم يمثل جزءًا من تاريخ السينما يتحدث عن التكنولوجيا التي قد تعيد تعريف صورتها المقبلة.
«Ink»: عندما تصبح صناعة التأثير موضوعًا للسينما
View this post on Instagram
ربما لم يكن اختيار Ink ليكون فيلم الافتتاح مجرد قرار برمجي. الفيلم الذي أخرجه داني بويل وكتبه جيمس غراهام، ويشارك في بطولته جاك أوكونيل وغاي بيرس وكلير فوي، قدم عرضه العالمي الأول في المسابقة الرسمية.
يتناول الفيلم مرحلة استحواذ روبرت مردوخ على صحيفة The Sun البريطانية عام 1969، والتحولات التي رافقت إعادة تشكيل الصحيفة وموقعها في المشهد الإعلامي البريطاني.
لكن أهمية Ink في افتتاح فينيسيا تتجاوز موضوعه التاريخي. فالفيلم يعود إلى لحظة تغير فيها شكل الصحافة وطريقة مخاطبة الجمهور، ليصل بصورة غير مباشرة إلى حاضر مختلف تقنيًا لكنه يواجه السؤال نفسه: من يحدد ما الذي يصل إلى الناس، وكيف تُصنع الحقيقة في عصر تتنافس فيه المنصات على الانتباه؟
وهذا ما جعل حضور الذكاء الاصطناعي في النقاش المحيط بالفيلم ذا دلالة خاصة. فقد تحدث بويل عن مستقبل الصحافة والحقيقة في عصر الذكاء الاصطناعي، فيما أشار كلوني أيضًا إلى المخاوف المرتبطة بالتكنولوجيا والتلاعب بالصورة.
وبذلك، بدا فيلم الافتتاح وكأنه يضع السؤال المركزي للدورة أمام الجمهور منذ اللحظة الأولى: كيف تتغير علاقتنا بالحقيقة عندما تصبح الصورة قابلة لإعادة التصنيع بلا حدود؟
ماغي جيلنهال تضع المرأة خلف الكاميرا في قلب النقاش
View this post on Instagram
إذا كان Ink قد فتح باب النقاش حول الإعلام والتأثير، فإن ماغي جيلنهال أضافت سؤالًا آخر يتعلق بمن يملك فرصة صناعة القصص من الأساس.
وتترأس جيلنهال لجنة تحكيم المسابقة الرسمية في الدورة الحالية، إلى جانب كاوثر بن هنية، ودانيال بلومبرغ، وفرانشيسكو كازيتي، وكزافييه جيانولي، وشهربانو سادات، وجوني تو.
وفي افتتاح المهرجان، تحدثت جيلنهال عن الحواجز المؤسسية التي لا تزال تواجه المخرجات، مشيرة إلى محدودية حضور الأفلام من إخراج النساء في المسابقة الرئيسية. ووفق تصريحاتها، تضم المسابقة هذا العام فيلمين فقط من أصل 21 فيلمًا أخرجتهما أو شاركت في إخراجهما نساء.
لكن الأهم في مداخلتها كان رفض الفصل بين السينما والسياسة. فبالنسبة إلى جيلنهال، الأفلام التي تتناول حياة البشر وتجاربهم لا يمكن فصلها تمامًا عن الواقع السياسي والاجتماعي الذي تنتمي إليه.
ومن هنا يتحول حضورها في افتتاح فينيسيا إلى جزء من الصورة الأكبر للدورة: السينما ليست فقط ما نراه على الشاشة، بل أيضًا من يقف خلف الكاميرا، ومن يحصل على فرصة رواية الحكاية، وما هي القصص التي يعتبرها القطاع جديرة بأن تصل إلى الجمهور.
فينيسيا بين هوليوود والسينما المؤلف
View this post on Instagram
لطالما كان مهرجان فينيسيا مساحة للتوازن بين نجومية هوليوود والسينما الفنية. لكن دورة 2026 تبدو أكثر وضوحًا في توجهها نحو الأعمال ذات الرؤى المؤلفية والقضايا المعاصرة، في وقت يشهد فيه حضور الاستوديوهات الهوليوودية تراجعًا نسبيًا.
وتضم المسابقة الرسمية 21 فيلمًا، في مجموعة تتوزع بين أسماء سينمائية راسخة وأعمال تنتمي إلى رؤى مختلفة من أنحاء العالم. كما تشمل اختيارات المهرجان أقسامًا مثل Orizzonti وVenice Spotlight وVenice Classics وVenice Immersive، بما يعكس اتساع مفهوم السينما الذي يحاول المهرجان احتضانه.
وهذا التنوع يبدو مهمًا في لحظة تعيد فيها صناعة الأفلام تعريف نفسها. فبينما تتغير طرق الإنتاج والتوزيع والمشاهدة، تحاول المهرجانات الكبرى الحفاظ على موقع السينما كفن وتجربة جماعية، لا كمحتوى رقمي فقط.
السجادة الحمراء: حين تصبح الأناقة جزءًا من لغة السينما
View this post on Instagram
ومع كل هذه الأسئلة، لم تتخلَّ فينيسيا عن أحد أكثر عناصره شهرة: السجادة الحمراء.
فحضور جورج كلوني، إلى جانب نجوم وأسماء عالمية أخرى، أعاد إلى ليدو الصورة التي ينتظرها الجمهور كل عام: سيارات تصل إلى قصر السينما، مصورون، أزياء مصممة خصيصًا للمناسبات الكبرى، ومجوهرات تكمل المشهد، فيما تتحول كل إطلالة إلى قصة بصرية مستقلة.
لكن أهمية الموضة في فينيسيا لا تكمن فقط في متابعة الفساتين والأسماء التي تقف خلفها. فالسجادة الحمراء أصبحت امتدادًا للهوية السينمائية نفسها؛ حيث لا ينتهي الفيلم عند أبواب قاعة العرض، بل يستمر في الصور والمقابلات والإطلالات التي تشكل ذاكرة المهرجان لدى الجمهور.
ولهذا، فإن بريق السجادة الحمراء ليس نقيضًا للنقاشات الفكرية التي شهدها اليوم الأول. بل يمثل الوجه الآخر للمهرجان: السينما كفن، والسينما كصناعة، والسينما كصورة عالمية.
لماذا يبدو افتتاح فينيسيا 2026 مختلفًا؟
View this post on Instagram
لأن الخيط الذي جمع أحداث اليوم الأول لم يكن اسمًا واحدًا أو فيلمًا واحدًا، بل سؤالًا مشتركًا حول مستقبل الصورة وتأثيرها.
جورج كلوني جاء من موقع النجم الذي صنع جزءًا من تاريخ السينما، لكنه تحدث عن الذكاء الاصطناعي وخطر تراجع الثقة في الصورة.
داني بويل عاد إلى تاريخ الإعلام ليقدم قصة عن صناعة التأثير، بينما بدت أسئلة Ink شديدة الصلة بعصر المنصات والخوارزميات.
وماغي جيلنهال طرحت سؤالًا آخر حول مستقبل الصناعة نفسها: هل تتغير القصص التي نراها عندما تتغير الجهات والأصوات التي تقف خلف الكاميرا؟
أما السجادة الحمراء، فواصلت لعب دورها بوصفها المساحة التي تلتقي فيها السينما بالموضة والجمال والثقافة الشعبية.
هكذا، لم يكن اليوم الأول مجرد افتتاح احتفالي، بل بدا أشبه بخريطة صغيرة للأسئلة التي سترافق السينما خلال السنوات المقبلة.
من فينيسيا يبدأ موسم جديد للسينما
View this post on Instagram
يمتلك مهرجان فينيسيا موقعًا خاصًا في روزنامة السينما العالمية، ليس فقط بسبب تاريخه، بل لأنه يشكل في كثير من السنوات إحدى أولى المحطات المهمة في موسم الجوائز. وتشير رويترز إلى أن المهرجان يمتلك سجلًا قويًا في إطلاق أفلام انتهت لاحقًا إلى حصد جوائز أوسكار رئيسية.
لكن أهمية دورة 2026 قد تكون أبعد من سباق الجوائز.
فالسينما تدخل مرحلة تتغير فيها علاقتها بالجمهور، وتتطور فيها تقنيات صناعة الصورة بسرعة، وتتداخل فيها الحدود بين الصحافة والترفيه والمنصات الرقمية، فيما يستمر النقاش حول التنوع والتمثيل ومن يملك حق رواية القصص.
من هنا، يأتي فينيسيا في توقيت شديد الحساسية. فهو يحتفي بتاريخ السينما، لكنه يفعل ذلك في وقت تضطر فيه الصناعة إلى إعادة التفكير في مستقبلها.
خلف البريق… سؤال مفتوح
View this post on Instagram
ربما كانت أكثر الصور اختصارًا لليوم الأول في فينيسيا هي تلك التي جمعت بين جورج كلوني والأسد الذهبي، وفيلم داني بويل، وماغي جيلنهال، والسجادة الحمراء.
في ظاهرها، أربعة مشاهد مختلفة. لكن خلفها سؤال واحد:
كيف ستبدو السينما عندما تتغير الأدوات التي تصنع الصورة، والوسائل التي تصل بها إلى الجمهور، والأصوات التي تقف خلفها؟
هذا هو السؤال الذي جعل افتتاح فينيسيا 2026 أكثر من مناسبة احتفالية. فبينما استمرت الكاميرات في التقاط النجوم على السجادة الحمراء، كان المهرجان نفسه يفتح نقاشًا حول ما يوجد خلف العدسة.
وربما هنا تكمن قوة فينيسيا الحقيقية: في مهرجان يحتفي ببريق السينما، من دون أن يتوقف عن مساءلة مستقبلها.
إقرأ أيضًا:
مهرجان فينيسيا 2026 يراهن على كبار المخرجين: قوة الاسم وسلطة المؤلف
السينما العربية في مهرجان البندقية 2026: من المشاركة إلى التأثير
مهرجان فينيسيا السينمائي 2026: موعد الدورة 83 وأبرز الأفلام المنافسة على الأسد الذهبي
الليدو في السينما: جولة بين أشهر مواقع التصوير في جزيرة البندقية
كوثر بن هنية في فينيسيا 2026: عام واحد بين الأسد الفضي ولجنة التحكيم