مصدر الصورة: حساب نادي النصر السعودي على إنستغرام
حسم النصر لقب دوري روشن السعودي بفارق نقطتين عن الهلال، في موسم شهد تقاربًا أكبر بين فرق من التصنيف الأول وارتفاعًا في متوسط قيمة اللاعبين. لكن دراسة جديدة أعدّتها باين آند كومباني Bain & Company بالتعاون مع توينتي فيرست غروب (TFG) تطرح سؤالًا يتجاوز نتيجة البطولة: كيف تتحول جاذبية الدوري المتزايدة إلى نمو يستفيد منه عدد أكبر من الأندية، ويستمر من دون الاعتماد الكبير على شراء اللاعبين؟ تتناول النسخة الثانية من تحليل الشركتين موسم 2025-2026 التي تأتي بعد الدراسة الأولى عن دوري روشن، من أربع زوايا: الأداء داخل الملعب، وقيمة التشكيلات والإنفاق، وتطوير المواهب، وتفاعل الجماهير. وتظهر النتائج تقدمًا في مستوى المنافسة بين الأندية المتصدرة، يقابله تفاوت واسع في قيمة الفرق، واعتماد كبير على الصفقات، ومؤشرات جماهيرية لا تسير كلها في الاتجاه نفسه. الدراسة لا تختزل نجاح الدوري في أسماء لاعبيه أو عدد متابعيه. فهي تقارن بين ما يحدث في الملعب وما يُنفق لبناء الفرق، ثم تسأل إن كانت الأندية تطور لاعبين من داخل منظومتها، وإن كان الاهتمام الرقمي يتحول إلى حضور في المدرجات.
نتائج موسم 2025-2026 تكشف عن قوة المنافسة في دوري روشن
View this post on Instagram
تُوّج النصر باللقب برصيد 86 نقطة، متقدمًا بنقطتين فقط على الهلال. ولم يتجاوز الفارق بين صاحبي المركزين الأول والرابع تسع نقاط، مقارنة بمتوسط يقارب 21 نقطة في الدوريات الأوروبية الكبرى وفق الدراسة. وتعكس هذه الأرقام سباقًا أكثر تقاربًا في قمة الترتيب، بقيت فيه نتيجة اللقب مفتوحة حتى المراحل الأخيرة من الموسم. لكن التقارب في النقاط لا يعني بالضرورة أن الموارد موزعة بالتساوي في الدوري كله. فالدراسة تشير إلى أن الأندية الخمسة الأولى تستحوذ على 76% من إجمالي قيمة تشكيلات الفرق. بعبارة أخرى، أصبحت المنافسة بين الكبار أشد، بينما لا تزال الفجوة في قيمة اللاعبين كبيرة بين فرق المقدمة وبقية الأندية. وهنا تظهر مفارقة الموسم: يستطيع الدوري تقديم سباق لقب جذاب، مع استمرار حاجة الأندية الأقل إنفاقًا إلى أدوات تساعدها على المنافسة بصورة منتظمة. وتضع الدراسة تطوير عمل هذه الأندية ضمن أولويات المرحلة المقبلة.
قيمة اللاعبين ارتفعت بفضل التطوير أم الصفقات
View this post on Instagram
ارتفع متوسط قيمة اللاعب في دوري روشن، وفق التحليل، من 1.05 مليون دولار في موسم 2024-2025 إلى 1.13 مليون دولار في موسم 2025-2026. ويمثل ذلك زيادة في القيمة المقدّرة للتشكيلات، لكنه لا يشرح وحده مصدرها. تقدم الدراسة إجابة مهمة: نحو 89% من نمو قيمة التشكيلات جاء من استقطاب لاعبين، وليس من التطوير العضوي للموجودين داخل الأندية. وهذا لا يقلل من أثر التعاقدات في رفع المستوى الفني، لكنه يبيّن أن معظم النمو المحسوب حتى الآن مرتبط بسوق الانتقالات. ويصبح السؤال بالنسبة إلى الأندية: هل تستطيع رفع قيمة فرقها أيضًا عبر التدريب وإتاحة دقائق اللعب وتحسين أداء اللاعبين الذين تملكهم؟ وتلفت الدراسة إلى تغير في كلفة الصفقات مقارنة بالقيمة المقدّرة للاعبين. فبعد أن كان إنفاق الأندية أقل من هذه التقديرات بنحو 6% في موسم 2024-2025، دفعت في الموسم التالي علاوة بلغت 35% فوق القيمة التقديرية للانتقالات. وهذه مقارنة تحليلية مبنية على تقديرات الدراسة؛ ولا تعني أن كل صفقة كانت مبالغًا في ثمنها. لكنها تضع كفاءة الإنفاق في قلب النقاش حول قدرة الأندية على مواصلة بناء فرق قوية على المدى الطويل.
ماذا تقول الدراسة عن أبرز الأندية خارج سباق اللقب؟
View this post on Instagram
لم يقتصر التحليل على النصر والهلال. فقد تصدر الهلال تقييم الدراسة لجودة التشكيلة الأساسية وعمقها، بينما اختير الحزم أبرز فريق تجاوز التوقعات، بعدما أنهى الموسم في منتصف الترتيب رغم أن تقييم تشكيلته الأساسية كان الأدنى في الدوري. وتشير الدراسة أيضًا إلى أن القادسية سجل أقوى نمو سنوي في متوسط قيمة اللاعب، إذ تضاعف هذا المتوسط مقارنة بالموسم السابق. في المقابل، كان الحزم النادي الوحيد الذي سجّل نموًا عضويًا موجبًا في قيمة تشكيلته، بلغت نسبته 108% وفق مقياس التحليل. وتبرز حالة الحزم لأنها تربط النتيجة على أرض الملعب بتحسن قيمة اللاعبين من داخل الفريق، في مقابل الاتجاه العام الذي قادته الصفقات. ولا تعني هذه المقارنات أن نموذجًا واحدًا يصلح لجميع الأندية؛ فموقع كل فريق وميزانيته وتشكيلته تختلف. لكنها تظهر أن الحكم على أداء النادي لا يقتصر على ترتيبه النهائي، بل يشمل ما حققه مقارنة بالموارد المتاحة له.
باين آند كومباني: هل يحصل اللاعبون السعوديون والشباب على فرص أكبر؟
View this post on Instagram
تقدم مؤشرات تطوير المواهب صورة متباينة. فقد ارتفعت حصة الشباب من دقائق اللعب من 14% إلى 15%، مع تحسن في مستوى هذه الفئة بحسب الدراسة. لكن حصة اللاعبين السعوديين من الدقائق تراجعت من 42% إلى 40%، وانخفضت دقائق اللاعبين السعوديين تحت 23 عامًا من 9% إلى 7%. والفارق بين هذه المؤشرات مهم. فزيادة مشاركة الشباب عمومًا لا تعني تلقائيًا زيادة فرص الشباب السعوديين. وإذا كان الهدف بناء مسار واضح للاعب المحلي من الأكاديمية إلى الفريق الأول، فإن عدد الدقائق التي يحصل عليها في المباريات الفعلية يصبح أحد المقاييس التي تستحق المتابعة موسمًا بعد آخر. وعلى مستوى الأندية، تصدر نيوم مؤشر دقائق اللاعبين تحت 23 عامًا بنسبة 36%، فيما سجل الحزم أعلى حصة من دقائق اللاعبين السعوديين عند 55%. وتُظهر هذه النتائج تفاوت اختيارات الأندية في بناء فرقها وإدارة فرص اللاعبين.
أسباب نمو جمهور دوري روشن على الإنترنت زعدم ارتفاع الحضور في الملاعب
View this post on Instagram
ارتفع مجموع متابعي أندية الدوري على وسائل التواصل الاجتماعي بنسبة 3%، لكن متوسط الحضور في المباريات انخفض بنسبة 7%، وفق تحليل باين آند كومباني. وبقي متوسط إشغال الملاعب عند 34%، مقارنة بنسبة 87% أوردتها الدراسة للدوريات الأوروبية الكبرى. تدل الأرقام على أن المتابعة عبر الهاتف لا تتحول تلقائيًا إلى زيارة للملعب. فاهتمام الجمهور بالنادي أو بلاعبيه يختلف عن قراره حضور مباراة، وهو قرار يتأثر بالتجربة الكاملة في يوم اللقاء. لهذا تضع الدراسة تحسين تجربة الملعب، إلى جانب التجربة الرقمية، ضمن أولويات النمو. وتوجد فروق واضحة بين الأندية نفسها. فقد تصدر النصر الحضور الرقمي بنحو 57 مليون متابع على وسائل التواصل، وسجل معدل إشغال ملاعب بلغ 83%. أما الأهلي فحقق أعلى متوسط حضور جماهيري، بنحو 23,400 متفرج في المباراة. وتشير هذه النتائج إلى وجود قاعدة جماهيرية قوية لدى بعض الفرق، فيما يبقى رفع الحضور على مستوى الدوري بأكمله تحديًا أوسع.
الخطوات الخمس التي تقترحها الدراسة لنمو دوري روشن
View this post on Instagram
تحدد الدراسة خمس أولويات مترابطة: رفع مستوى العمل الاحترافي في الأندية الأصغر، وتحسين كفاءة الإنفاق على الانتقالات والأجور، وتقليل الاعتماد على شراء اللاعبين عبر تطويرهم داخل الأندية، وبناء مسارات أوضح للمواهب السعودية من الأكاديميات إلى الفرق الأولى، وتحسين تجربة الجماهير في الملاعب والمنصات الرقمية. ولا تقدم الدراسة هذه الأولويات بوصفها بديلًا من المنافسة الحالية، بل وسيلة لجعلها أوسع وأكثر قدرة على الاستمرار. فسباق لقب متقارب يجذب الانتباه، وارتفاع قيمة اللاعبين يعزز مستوى المباريات، لكن استمرار هذا التقدم يرتبط بما تنتجه الأندية بنفسها، وكيف تدير إنفاقها، ومدى نجاحها في جذب المشجع إلى الملعب.
خلص موسم 2025-2026 إلى قصة قوية داخل المستطيل الأخضر: النصر بطلًا بفارق ضئيل، وفرق المقدمة أقرب إلى بعضها. أما اختبار المرحلة المقبلة، كما تصوغه الدراسة، فهو توسيع هذه المنافسة لتشمل أندية أكثر، ومنح المواهب المحلية طريقًا أوضح للعب، وتحويل اهتمام الجمهور بالدوري إلى حضور مستمر في المدرجات.